مقالات

غزو مياه البحر يهدد الخزانات الجوفية الساحلية بالتملح

نشرت بتاريخ 29 يناير 2024

مصر الأكثر تأثرًا في المنطقة العربية.. وتوصيات بوضع إستراتيجيات لحماية التوازن المائي وجودة المياه الجوفية في المناطق الساحلية

محمد السعيد

التوازن المائي وجودة المياه الجوفية في المناطق الساحلية يتأثران بسبب اختلاط المياه العذبة بالمالحة
التوازن المائي وجودة المياه الجوفية في المناطق الساحلية يتأثران بسبب اختلاط المياه العذبة بالمالحة
Nils Moosdorf, ZMT Bremen Enlarge image
حذرت دراسة حديثة من أن أكثر من 60 مليون شخص من سكان المناطق الساحلية -البالغ عددهم أكثر من مليار شخص حول العالم- قد يخسرون أكثر من 5% من مواردهم من المياه الجوفية العذبة بحلول عام 2100.

 

وتشير الدراسة التي نشرتها دورية "إيرث فيوتشر" (Earth Future) إلى أن "المياه الجوفية في المناطق الساحلية معرضة لخطر التملُّح بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر في ظل تفاقُم تأثيرات تغيُّر المناخ".

 

وقد تواجه المياه الجوفية المخزنة في جميع أنحاء العالم انخفاضًا يزيد عن 0.5 متر سنويًّا في القرن الحادي والعشرين، وفق ما يكشف تحليل لنحو 170 ألف بئر مراقبة، وفق دراسة أخرى نشرتها "نيتشر".

 

مشكلة عالمية

 

في الوقت الحالي، يعيش أكثر من 1.2 مليار شخص على السواحل معتمدين على المياه الجوفية مصدرًا رئيسيًّا للمياه العذبة، الأمر الذي تتوقع الدراسة أنه لن يطول؛ بسبب تملُّح المياه الجوفية الناجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر. 

 

توضح "مباركة الغرياني" -‎رئيس مشروع إدارة الكوارث والأزمات في ‏‎الهيئة الليبية للبحث العلمي‎‏، والباحثة المتخصصة في الهيدرولوجيا- أن "التوازن المائي وجودة المياه الجوفية في المناطق الساحلية يتأثران بسبب اختلاط المياه العذبة بالمالحة".

 

تقول "الغرياني" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": يؤدي هذا التداخل إلى زيادة الملوحة في المياه الجوفية، ما يؤثر على جودتها وقابليتها للاستخدام في الزراعة والشرب والصناعة، كما يؤثر على توافر المياه العذبة في المناطق الساحلية، ويصبح استخدام هذه المياه غير مُجدٍ، وأحيانًا غير ممكن؛ بسبب التأثير الضار للملوحة على النباتات والمحاصيل والكائنات الحية الأخرى.

 

نماذج للتنبؤ

 

استخدم الباحثون نماذج للتنبؤ بملوحة المياه الجوفية الساحلية في السيناريوهات المناخية المختلفة التي اقترحتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، ووفق أكثر السيناريوهات تشاؤمًا، فإن أكثر من 120 مليون شخص سيتأثرون بحلول عام 2300.

 

يقول مارك بيركنز -أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة أوتريخت الهولندية، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": قسمنا الساحل العالمي إلى مئات القطاعات، وبعدها صممنا عددًا كبيرًا من النماذج الحاسوبية القادرة على محاكاة ما يحدث للمياه الجوفية العذبة في ظل تغيُّر مستوى سطح البحر، في كل نطاق من هذه القطاعات.

 

ويضيف: يمثل كل قطاع جزءًا من الساحل العالمي بجيولوجيته المحددة، لقد قمنا بمحاكاة تأثير التغيُّر في مستوى سطح البحر على مدار العشرين ألف عام الماضية لحساب الحجم الحالي للمياه الجوفية العذبة الساحلية، ثم توقعنا ما سيحدث في القرن الحادي والعشرين والثاني والعشرين في ظل ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب تغيُّر المناخ.

 

مصر أكثر المتأثرين عربيًّا

 

تؤثر ظاهرة تداخُل مياه البحر أيضًا على استدامة الموارد المائية في المنطقة العربية، فالمياه الجوفية مصدر مهم لتلبية احتياجات السكان المحليين والزراعة والصناعة، وإذا لم يتم التحكم في تداخُل مياه البحر، فقد يحدث نقصٌّ حادٌّ في الموارد المائية المتاحة وتدهورٌ للبيئة المائية، وفق "الغرياني".

يقول "بيركنز": يقع الساحل العربي الأفريقي ضمن دائرة الخطر، لكن أكثر بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأثرًا بمخاطر غزو مياه البحر هي مصر، التي يتعرض ساحلها الشمالي -وخاصةً دلتا نهر النيل- لمخاطر عالية بسبب هبوط خط الساحل بالتزامن مع ارتفاع مستوى سطح البحر.

حذرت دراسة سابقة نُشرت في مجلة "نيتشر" من خطورة وضع المياه الجوفية في العديد من المناطق الجافة مثل قطاع غزة في فلسطين؛ إذ تعاني طبقات المياه الجوفية بالفعل من ضغوط كبيرة نتيجة الاستهلاك المفرط للمياه الجوفية، وارتفاع معدلات التلوث، وتوغل مياه البحر، ما يجعل نسبة 4٪ فقط من طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة صالحةً للشرب.

 

ويرى عبد الحميد أحمد -أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد بجامعة المنصورة- أن هناك عدة أسباب طبيعية وبشرية وراء هبوط الدلتا وتوغل مياه البحر في الخزان الجوفي.

 

يقول "أحمد" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": هذا الهبوط هو نتاج التدخلات البشرية؛ إذ يؤدي الإنسان وظيفة العامل الجيومورفولوجي فيجرف التربة ويزيل الجسور، فضلًا عن التحميل الزائد للهياكل العمرانية على التربة، خاصةً التربة الهشة.

 

ويشير "أحمد" إلى التأثير الكبير الذي أحدثه توقف إمدادات الرواسب الفيضية للدلتا بعد بناء السد العالي، وهو ما أثَّر بشدة على بنيتها، وعرَّض ساحلها لمخاطر التآكل.

 

وتقع دلتا النيل على ارتفاع متر واحد فقط فوق مستوى سطح البحر، ويتعرض ثلثها الشمالي لعمليات هبوط سنوية بمعدل 4 إلى 8 ملليمترات، وفق دراسة سابقة نشرتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية.

 

وتشير دراسة سابقة إلى ضرورة اتجاه مصر إلى استخدام المياه الجوفية وتحلية مياه البحر لتلبية احتياجات القطاع المنزلي من المياه، الذي يستهلك أكثر من 16% من إجمالي الموارد المائية المتجددة في مصر، بسبب النمو السكاني بنسبة تقدر بـ2.05% سنويًّا، وارتفاع معدل الاستهلاك السنوي للفرد الواحد من المياه المنزلية إلى حوالي 102 متر مكعب، والآثار السلبية المتوقعة بعد تشغيل سد النهضة الإثيوبي.

 

لكن "بيركنز" يوضح أنه إذا تم استخدام المياه الجوفية في المناطق المهددة لأغراض الشرب، فسيتعرض مستهلكو هذه المياه لخطر حدوث مشكلات صحية بسبب تناول الكثير من الصوديوم، وإذا تم استخدام المياه للري، فهناك خطر تملُّح التربة الزراعية والمحاصيل.

 

إستراتيجيات مستقبلية للحماية

 

تؤكد الدراسة ضرورة وضع إستراتيجيات لإدارة المياه من أجل حماية المجتمعات الساحلية من هذا التهديد، وتشمل هذه الإستراتيجيات تغييرات في الإنتاج الزراعي والحد من الطلب على المياه، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.

 

مارك بيركنز أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة أوتريخت الهولندية
مارك بيركنز أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة أوتريخت الهولندية
Utrecht University Enlarge image

يقول "بيركنز": تحتاج تدابير التكيف المحلية إلى وجود كمية كافية من الأمطار وتربة قابلة للنفاذ، وفي هذه الحالة يمكن محاولة تعزيز تغذية المياه الجوفية باستخدام أحواض ترشيح مملوءة بمياه الأمطار الزائدة، وهذا قد يقاوم جزئيًّا تسرُّب المياه المالحة، وبخلاف ذلك سيحتاج المرء إلى نقل الزراعة وآبار مياه الشرب إلى الداخل.

 

أما "الغرياني"، فتؤكد ضرورة تنفيذ تقنيات هندسية مثل الحواجز والأنابيب العميقة لمنع تسرب مياه البحر إلى الخزانات الجوفية، وتحسين إدارة استخدام المياه الجوفية، وتشجيع الممارسات المستدامة للزراعة والري.

 

وتتابع: يجب أيضًا تكثيف جهود المراقبة والرصد لجودة المياه الجوفية وتأثيرات تداخل مياه البحر عليها، ويتطلب ذلك التعاون المشترك بين الدول المجاورة للبحر، وتبادل المعلومات والتجارب في مجال إدارة المياه الجوفية الساحلية.

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.39