مقالات

مستويات قياسية لانبعاثات الكربون من الوقود الأحفوري في 2023

نشرت بتاريخ 12 ديسمبر 2023

توصيات بخفض الانبعاثات خفضًا جذريًّا بنسبة 5% سنويًّا على مدى السنوات الـ15 المقبلة.. والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة

محمد السيد علي

يتم امتصاص نحو نصف إجمالي ثاني أكسيد الكربون المنبعث عن طريق مصارف في الأرض والمحيطات
يتم امتصاص نحو نصف إجمالي ثاني أكسيد الكربون المنبعث عن طريق مصارف في الأرض والمحيطات
GETTY IMAGES Enlarge image
يسعى المجتمعون في مؤتمر الأطراف بشأن تغير المناخ (COP28) في الإمارات إلى اتخاذ موقف موحد بشأن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري (النفط والغاز).

وفي هذه الأثناء، ذكرت دراسة حديثة أن انبعاثات الكربون العالمية الناجمة عن الوقود الأحفوري ارتفعت إلى مستويات قياسية في 2023، ما يؤدي إلى تفاقُم تغيُّر المناخ وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة المدمرة.

وأوضحت الدراسة -التي أعدّها علماء "مشروع الكربون العالمي" وقُدّمت للمجتمعين بـ"كوب 28"- أن تخطي حرارة سطح الأرض عتبة الـ1.5 درجة مئوية بالمقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية بات حتميًّا، وأن التحرك العالمي لخفض الوقود الأحفوري لا يحدث بالسرعة الكافية لمنع التغيُّر الخطير للمناخ.

وتوقّعت الدراسة، التي نشرتها دورية "إيرث سيستم ساينس داتا"، وهي جزء من تقرير ميزانية الكربون العالمية السنوي، أن تبلغ انبعاثات الكربون العالمية نتيجة الوقود الأحفوري 36.8 مليار طن في 2023، بزيادة 1.1٪ عن 2022.

وعندما أضاف الفريق الانبعاثات الناجمة عن استخدام الأراضي، توقع أن يبلغ إجمالي الانبعاثات 40.9 مليار طن هذا العام.

ويؤدي مسار الانبعاثات هذا العام إلى دفع العالم بعيدًا عن هدف منع زيادة درجة حرارة الأرض بما يتجاوز 1.5 درجة مئوية، ويسجل العالم حاليًّا ما يناهز 1.4 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وفق الأمم المتحدة.

نسب متفاوتة

يقول مايك أوسوليفان، المحاضر بكلية البيئة والعلوم والاقتصاد بجامعة إكستر البريطانية، والباحث المشارك بالدراسة: "يحتاج العالم إلى خفض الانبعاثات خفضًا جذريًّا بنسبة 5% سنويًّا على مدى السنوات الـ15 المقبلة، حتى لا تتجاوز زيادة حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية".

يضيف "أوسوليفان" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": تحتاج الدول المنتجة للوقود الأحفوري بالشرق الأوسط إلى إنهاء أنشطتها بسرعة والاستثمار بكثافة في إنتاج الطاقة المتجددة، وأن تعمل مع الدول الغنية الأخرى بجميع أنحاء العالم لكي تقود عملية التحول بعيدًا عن طاقة الوقود الأحفوري، لكننا بدلًا من ذلك نرى العكس مع خطط التوسع في استخراج الوقود الأحفوري.

ويُعد التقييم الدقيق لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن الأنشطة البشرية، وإعادة توزيعها بين الغلاف الجوي والمحيطات في مناخ متغير أمرًا بالغ الأهمية، لفهم دورة الكربون العالمية على نحوٍ أفضل، وتطوير سياسات مناخية، والتنبؤ بتغير المناخ في المستقبل، وفق "أوسوليفان".

ويوضح التقرير السنوي لميزانية الكربون العالمية، الذي شارك في إعداده هذا العام أكثر من 120 عالِمًا، أن نسب انبعاثات الكربون العالمية تتفاوت تفاوُتًا كبيرًا من مناطق إلى أخرى؛ ففي الهند، يُتوقع زيادتها في 2023 بمعدل 8.2%، وفي الصين بمعدل 4.0%، أما في أوروبا فتنخفض بنسبة 7.4%، وفي الولايات المتحدة بنسبة 3.0%، وفي بقية دول العالم بمعدل 0.4%.

ومن المتوقع أيضًا أن تزيد الانبعاثات الناجمة عن استخدام الفحم عالميًّا بمعدل 1.1%، وعن النفط 1.5%، أما الغاز فستزيد انبعاثاته بنسبة 0.5%.

كما توقعت النتائج أن يبلغ متوسط مستويات ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي 419.3 جزءًا في المليون خلال 2023، أي 51% أعلى من مستويات ما قبل عصر الصناعة.

وبينما يتم امتصاص نحو نصف إجمالي ثاني أكسيد الكربون المنبعث عن طريق مصارف في الأرض والمحيطات، يظل الباقي في الغلاف الجوي، ما يفاقم ظاهرة تغير المناخ.

وبشكل عام، كانت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية الناجمة عن الحرائق في 2023 أكبر من المتوسط، بسبب موسم حرائق الغابات الشديد في كندا؛ حيث كانت الانبعاثات أعلى بـ6 إلى 8 أضعاف.

1.5 درجة مئوية

وعند مستوى الانبعاثات الحالي، يُقدّر الفريق أنه بات حتميًّا لحرارة سطح الأرض أن تتجاوز عتبة الـ1.5 درجة مئوية بالمقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، وأن احتمال حدوث ذلك خلال 7 سنوات فقط يبلغ 50%.

ويحتاج العالم إلى خفض الانبعاثات بنحو 9% سنويًّا، لينال فرصة الإبقاء على الاحترار العالمي أقل من 1.5 درجة مئوية، وهو المستوى المستهدف باتفاقية باريس، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

وكانت الانبعاثات قد انخفضت بنسبة 5.4% إبان جائحة "كوفيد-19" في 2020، قبل أن تبدأ بالارتفاع مُجددًا.

ووفق "أوسوليفان"، فإن زيادة الانبعاثات في 2023 كانت مدفوعةً في المقام الأول بحرق الفحم في الصين والهند، فضلًا عن زيادة حركة الطيران الدولي.

وعن تأثير تلك الزيادات المستمرة على تحقيق المستهدف باتفاقية باريس، أضاف أنه من الواضح أننا لا نُخفّض الانبعاثات تخفيضًا كبيرًا كل عام، وسنتجاوز ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة.

"المستويات القياسية الحالية في درجات الحرارة تحتم على الدول سرعة الانتقال إلى الطاقة المستدامة بصورة تلبي الطموحات العالمية الهادفة إلى إنتاج 30% من مصادر الطاقة بالاعتماد على الطاقة المتجددة"، وفق وحيد إمام، أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في مصر.

يضيف "إمام" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": التعهدات التي أُعلنَ عنها ضمن المؤتمر، وفي مقدمتها الصندوق الاستثماري بقيمة 30 مليار دولار، يمكن أن تساعد الدول الفقيرة على تلبية تلك الطموحات والحد من انبعاثات الوقود الأحفوري الذي يمثل حوالي 75% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية.

وأوضح أن هذا الصندوق سيمنح الدول تمويلات بشروط ميسرة لتنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية و"الاقتصاد الأخضر" وتخفيف تأثيرات تغيُّر المناخ، مشيرًا إلى أن البلدان الأفريقية تعتبر بيئةً واعدةً لتنفيذ تلك المشاريع، لأنها تتميز بشمسها الساطعة وأراضيها الشاسعة، بالإضافة إلى البيئة الملائمة لمشاريع طاقة الرياح.

توصيات

وعن أبرز التوصيات للسياسيين المجتمعين بـ"كوب 28"، أكد "أوسوليفان" ضرورة فرض ضرائب على ثروات الأغنياء لدفع تكاليف التحول العالمي إلى مصادر الطاقة المتجددة، والتوقف عن دعم الوقود الأحفوري.

في حين طالب طارق عيد الروبي -الخبير البيئي المصري، والمنسق الوطني لاتفاقية ستوكهولم المعنية بالملوثات البيئية سابقًا- الدول الكبرى بالحد من الاستخدام المُفرط للوقود الأحفوري بمجالات الصناعة والنقل، مُرجعًا الزيادات في انبعاثات الكربون إلى اتجاه تلك الدول نحو تعويض عمليات الإنتاج التي تأثرت بشدة في أثناء جائحة "كوفيد-19".

وأضاف لـ"نيتشر ميدل إيست": يجب الحد من عمليات "الحرق المكشوف" للمخالفات بأنواعها بما فيها الزراعية، وسن قوانين رادعة تجرمها، وإيجاد حلول تلائم البيئة للتخلص من تلك المخلفات، وتحسين مستوى صيانة الماكينات والسيارات للتقليل من التلوث الصادر عنها.

doi:10.1038/nmiddleeast.2023.275