مقالات

ثلث رجال العالم يصيبهم فيروس الورم الحليمي البشري

نشرت بتاريخ 20 سبتمبر 2023

أكثر من ٢٠٠ نوع من فيروس الورم الحليمي يمكن أن ينقلها الاتصال الجنسي.. و69400 رجل أصيبوا بسرطانات القضيب والشرج والبلعوم وغيرها بسبب هذا الفيروس في 2018

محمد السيد علي

التطعيمات
المتاحة توفر درجة حماية عالية ضد فيروس الورم الحليمي البشري

التطعيمات المتاحة توفر درجة حماية عالية ضد فيروس الورم الحليمي البشري


Getty Images

Enlarge image

فيروس الورم الحليمي البشري هو أكثر أنواع العدوى المنقولة جنسيًّا شيوعًا حول العالم، وهو السبب الرئيسي للإصابة بسرطان عنق الرحم بين السيدات.

في المقابل، لا تقتصر الإصابة بهذا الفيروس على السيدات؛ إذ تعمُّ كثيرًا من الرجال خلال مرحلة ما من حياتهم، طالما كانوا نشطين جنسيًّا، وقد تكون سببًا في إصابتهم بالسرطان أيضًا.

وفي السياق، كشفت دراسة حديثة نشرتها دورية "ذا لانسيت جلوبال هيلث" (The Lancet Global Health) أنه من كل ثلاثة رجال فوق سن 15 عامًا يكون واحدٌ مصابًا بنوع واحد على الأقل من فيروس الورم الحليمي البشري، وأنه من كل 5 خمسة رجال يكون واحدٌ مصابًا بواحد أو أكثر من أنواع الفيروس عالية الخطورة أو المُسببة للسرطان.

تقول جينيسا ألبيرو، الباحثة ببرنامج أبحاث وبائيات السرطان في المعهد الكاتالوني لعلم الأورام في إسبانيا، والمشاركة في الدراسة: "تشير النتائج إلى أن معدل انتشار فيروس الورم الحليمي البشري مُرتفع لدى الرجال، وأن معدل الانتشار يظل مرتفعًا طوال الحياة الجنسية للرجال المغايرين جنسيًّا".

تضيف "ألبيرو" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": تتَّسق هذه النتائج مع كون الرجال مستودعًا لعدوى فيروس الورم الحليمي البشري، وتؤكد أهمية دمجهم في الجهود المبذولة للسيطرة على العدوى وتقليل حدوث الأمراض المرتبطة بها.

وعن أهمية النتائج، تؤكد "ألبيرو" أن "بيانات انتشار فيروس الورم الحليمي البشري بين الرجال تُعد ضروريةً لفهم عبء المرض ومخاطر انتقاله لدى كلٍّ من الرجال والنساء، ولدعم تنفيذ برامج الوقاية من سرطان عنق الرحم والقضاء عليه وتقييمها".

مُراجعة منهجية

أجرى الباحثون مُراجعةً منهجيةً وتحليلًا تلويًّا لتقييم مدى انتشار عدوى فيروس الورم الحليمي البشري في عموم السكان البالغة أعمارهم 15 عامًا أو أكثر، بناءً على الدراسات المنشورة في الفترة ما بين أول يناير 1995 وحتى أول يناير 2022، وحدد الفريق 5685 بحثًا منشورًا في قواعد البيانات، بينها 65 دراسة تضم 44769 رجلًا تم تضمينها من 35 بلدًا.

ووفق النتائج، بلغ معدل الانتشار العالمي المُجمّع 31% لجميع أنواع فيروس الورم الحليمي البشري 31%، وللأنواع عالية الخطورة 21%، وكان "فيروس الورم الحليمي البشري 16" الأكثر انتشارًا بنسبة بلغت 5%، يليه "فيروس الورم الحليمي البشري 6" بنسبة 4%.

تقول "ألبيرو": هناك أكثر من 200 نوع من فيروس الورم الحليمي التي يمكن أن تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، وهناك 12 نوعًا على الأقل مُسببة للسرطان.

وأثبتت النتائج أن معدل انتشار الفيروس كان مُرتفعًا لدى الشباب؛ إذ وصل إلى الحد الأقصى بين سن 25 و29 عامًا، واستقر أو انخفض قليلًا بعد ذلك.

التوزيع الجغرافي

وبالنسبة لانتشار الفيروس وفق المناطق الجغرافية حول العالم، كانت تقديرات الانتشار المُجمعة مماثلةً لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وأستراليا ونيوزيلندا، باستثناء منطقة شرق وجنوب شرق آسيا.

ووفق الدراسة، تعكس هذه النتائج انخفاض معدل انتشار فيروس الورم الحليمي البشري المُبلغ عنه لدى النساء في آسيا، وبين الرجال الآسيويين مقارنةً ببقية مناطق العالم، كما تم التأكد من وجود "فيروس الورم الحليمي البشري 35" على نحوٍ بارز في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتم تحديد هذا النوع من الفيروس باستمرار على أنه أكثر انتشارًا بين النساء الأفريقيات أو النساء المنحدرات من أصل أفريقي، مع مساهمة أكبر في الإصابة بالسرطان والآفات السابقة للتسرطن مقارنةً بالنساء من المناطق الأخرى.

وتوضح "ألبيرو" أن بيانات انتشار الفيروس تأتي في المقام الأول من البلدان ذات الدخل المُرتفع، مضيفةً أن "إجراء دراسات وبائية إضافية لتقييم مدى انتشاره وفق العمر لدى الرجال من بلدان إضافية يمكن أن يُسهم في جهود مراقبة التأثير لكلٍّ من البلدان التي لديها برامج التطعيم ضد الفيروس للفتيات والشابات".

الأعراض والخطورة

عادةً لا ينجم عن غالبية حالات الإصابة بالفيروس لدى الرجال والنساء أعراضٌ تُذكر؛ إذ ينجح الجهاز المناعي في هزيمة عدوى فيروس الورم الحليمي البشري قبل أن يبدأ في تكوين ثآليل بالأعضاء التناسلية، وهي العرَض الأكثر شيوعًا للعدوى بين الرجال والنساء.

وتظهر الثآليل كآفات مُسطَّحة، أو نتوءات صغيرة، ولدى السيدات، تظهر الثآليل التناسلية عادةً على الفرج، ولكن قد تظهر أيضًا بالقرب من الشرج وعلى عنق الرحم أو في المهبل، أما لدى الرجال، فإنها تظهر على القضيب وكيس الصفن أو حول الشرج، ونادرًا ما تُسبِّب الثآليل التناسلية عدم الراحة أو الألم، ولكنها قد تُسبِّب الحكَّة.

لكن هذه العدوى –وفق "ألبيرو"- يمكن أن تتطور وتؤدي إلى عواقب طويلة الأمد ووفيات؛ إذ تموت سنويًّا أكثر من 340 ألف امرأة بسبب سرطان عنق الرحم المرتبط بالفيروس، وفق الدراسة.

تقول "ألبيرو": تميل عدوى الفيروس إلى الظهور سريريًّا عند الرجال على شكل ثآليل شرجية تناسلية، وتُسبّب مراضة كبيرة وتزيد من معدلات انتقال الفيروس، كما ترتبط أيضًا بسرطانات القضيب والشرج والبلعوم، التي ترتبط عادةً بفيروس الورم الحليمي البشري 16.

وقدرت "الوكالة الدولية لبحوث السرطان" أن هناك حوالي 69400 حالة سرطان لدى الرجال بسبب فيروس الورم الحليمي البشري في عام 2018.

خطورة الفيروس

من جهته، يوضح إسلام عنان -أستاذ اقتصاديات الدواء وعلم انتشار الأوبئة بكلية الصيدلة في جامعة عين شمس المصرية- أن خطورة فيروس الورم الحليمي البشري تنحصر في السلالات المُسببة للسرطان، وأبرزها السلالات من أنواع (8، 11، 14، 16)، وفيما عدا ذلك، يمكن أن تأتي العدوى وتذهب دون أعراض، ومن دون أن يعلم الشخص عنها شيئًا.

يقول "عنان" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": إن ظهور ثآليل بالأعضاء التناسلية لا يتبعه بالضرورة الإصابة بالسرطان، لكنها تجعل لدى الشخص قابليةً للإصابة بالسرطان، خاصةً لدى مَن يعانون من مشكلات في جهاز المناعة، أو الرجال الذين يمارسون الشذوذ الجنسي، وهم أكثر قابليةً للإصابة بسرطان الشرج 17 مرةً أكثر من الأشخاص الطبيعيين.

ويضيف: يعيش هذا الفيروس على الجلد، وتنتقل العدوى من خلال ملامسة الجلد المصاب، أو من خلال الممارسة الجنسية بين الزوجين، أو عبر المراحيض العمومية، وعادةً ما تختفي الثآليل التناسلية -التي يمكن أن تظهر أيضًا في الوجه واليدين وباطن القدم- من تلقاء نفسها، وإذا لم تختفِ يمكن علاجها عبر مراهم موضعية، أو من خلال إزالتها بالجراحة في بعض الأحيان، وإذا تطور الأمر إلى سرطان فإن المريض يتناول علاجات السرطان المعروفة.

الوقاية من الفيروس

تؤكد "ألبيرو" أن "التطعيم هو أفضل طريقة للوقاية من فيروس الورم الحليمي البشري والسرطانات المرتبطة به"، مضيفةً: يجب إعطاء اللقاحات المضادة للفيروس قبل أن يصبح الشباب والفتيات نشطين جنسيًّا، ويمكن للشخص الحصول على اللقاح بعد التحدث مع مقدم الرعاية الصحية الخاص به حول الفوائد المحتملة للتطعيم.

ويشير "عنان" إلى أن هناك لقاحين رئيسيين لفيروس الورم الحليمي البشري يُستخدمان على نطاق واسع هما "جارداسيل 9"، وهو اللقاح الوحيد المستعمل حاليًّا في الولايات المتحدة الأمريكية، ويوفر الحماية ضد 9 أنواع مختلفة من الفيروس هي: (6، 11، 16، 18، 31، 33، 45، 52، 58)، وهذه السلالات مسؤولة عن غالبية حالات السرطان المرتبطة بالفيروس والثآليل التناسلية، وتمت الموافقة على استخدامه في كلٍّ من الذكور والإناث، ويوصى به للمراهقين والشباب من أجل الوقاية من العدوى والأمراض المرتبطة بها.

أما اللقاح الثاني فهو "سيرفاريكس"، ويوفر الحماية ضد سلالتين من الفيروس هما (16 و18)، وترتبط السلالتان بمعظم حالات سرطان عنق الرحم، ويُستخدم اللقاح في المقام الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم، وفق "عنان".

حماية عالية

من جهته، يؤكد إسلام حسين -عالِم الفيروسات وكبير الباحثين بشركة مايكروبيوتكس للبحث والتطوير الأمريكية- أن "التطعيمات المتاحة توفر درجة حماية عالية ضد الفيروس"

يقول "حسين" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": من الضروري أن يتم تطعيم الذكور ضد الفيروس؛ إذ تشير التوصيات إلى أن التطعيم يجب أن يتم عند عمر ١١ أو ١٢ سنة، لكي تكون نسبة الحماية عالية.

أما "عنان" فيقول: إن اللقاحات مناسبة لجميع الفتيات والشباب النشطين جنسيًّا، لكن التطعيم يبقى ذا أهمية كبيرة لمَن يعانون من مشكلات في المناعة وحالتهم تسمح بالحصول على اللقاح، مضيفًا: لا يزال تلقيح جميع السيدات والرجال ضد الفيروس محل نقاش حول العالم، ربما لأنه يبدو غير ذي جدوى اقتصادية؛ لمحدودية أعداد المصابين بالسرطان نتيجة العدوى (بمعدل إصابة يبلغ 6.9 حالات لكل 100 ألف شخص في السنة في البلدان ذات الدخل العالي و16.1 في البلدان ذات الدخل المنخفض)، ما يدفع الحكومات إلى توفير هذه المبالغ لإجراء فحص مبكر للكشف عن سرطانات أخرى تنتشر انتشارًا أكبر بين السكان، مثل سرطانات الثدي والرئة والبروستاتا.

وتابع: هناك دول عدة حول العالم -وتحديدًا في أوروبا- تتيح اللقاح للسيدات بشكل كبير، وللرجال بنِسب منخفضة للغاية.

وعن طرق الوقاية الأخرى، أشارت "ألبيرو" إلى أن استخدام الواقي الذكري في أثناء ممارسة الجنس لا يوفر حماية كاملة؛ لأنه لا يغطي كامل الجلد التناسلي، منوهةً بأن هناك ممارسات تقلل من خطر الإصابة بالفيروس، مثل ختان الذكور والإقلاع عن التدخين.

وتؤكد "ألبيرو" أهمية إجراء الفحص لتحديد المشكلات الصحية المحتملة ومعالجتها في وقت مبكر، مشيرةً إلى أنه لا يُنصح بفحص فيروس الورم الحليمي البشري للذكور، لكن يجب أن تخضع النساء لفحص عنق الرحم، وإذا لم يكن الشخص متأكدًا من نوع الفحص المناسب له، فيجب أن يتحدث إلى مقدم الرعاية الصحية الخاص به، وفق قولها.

doi:10.1038/nmiddleeast.2023.175