مقالات

وجود الماء على الكواكب الصخرية.. لغز في طريقه إلى الحل!

Published online 11 أغسطس 2023

اكتشاف بخار ماء حول نجم يبلغ عمره 5.4 ملايين سنة ويبعد عن الأرض بـ370 سنة ضوئية

شادي عبد الحافظ

تلسكوب جيمس ويب (ناسا)

تلسكوب جيمس ويب (ناسا)


NASA GSFC/CIL/Adriana Manrique Gutierrez Enlarge image
منذ اللحظة الأولى التي اكتشف فيها العلماء وجود كواكب صخرية تجري حول نجوم أخرى غير الشمس، تزايدت التساؤلات بشأن كيفية وصول المياه إلى تلك الكواكب، وهل كان محيط هذه الكواكب عامرًا ببخار الماء أم أن الماء جاء إليها من المذنبات والكويكبات؟

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر" مؤخرًا، مشيرةً إلى أن تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لوكالة ناسا اكتشف وجود بخار ماء حول النجم "بي دي إس ٧٠"، ما يكوِّن بيئةً يمكن أن تتشكل فيها الكواكب الصخرية، فيما يُعد "أول اكتشاف للمياه في المنطقة الأرضية لقرص معروف بالفعل باستضافة اثنين أو أكثر من الكواكب الأولية".

ووفق الدراسة، التي أجراها باحثون من عدة جامعات ومؤسسات بحثية أوروبية، فقد تمكن العلماء للمرة الأولى من إيجاد بصمات بخار الماء (عند درجة حرارة حوالي 330 درجة مئوية) في المنطقة الداخلية من القرص الكوكبي المحيط بما يُعرف بالنجم البرتقالي "بي دي إس 70" الواقع على مسافة 370 سنة ضوئية من الأرض تقريبًا.

جيمس ويب الفضائي

يبلغ عمر النجم "بي دي إس 70" حوالي 5.4 ملايين سنة، وينقسم القرص الدوار حوله إلى قرص داخلي وقرص خارجي، وتقع بينهما فجوة عرضها حوالي 8 مليارات كيلومتر يجري فيها كوكبان غازيان عملاقان.

للتوصل إلى تلك النتائج، استخدم الباحثون جهاز "ميري" (MIRI) الموجود في تلسكوب جيمس ويب الفضائي، والذي يحتوي على كاميرا تختص بالتصوير الفلكي للأشعة تحت الحمراء المتوسطة، وهو نطاق من الطيف الكهرومغناطيسي لا يُرى بالعين المجردة، وتساعد الكاميرا على اختراق سحب الغاز الكثيفة والغبار لتوضيح ما بداخلها؛ إذ يستهدف تلسكوب جيمس ويب دراسة الغلاف الجوي للكواكب التي تدور حول نجوم غير الشمس للبحث عن اللبنات الأساسية للحياة من مركبات عضوية ومياه.

NASA Enlarge image

وتوضح الدراسة أن بخار الماء في القرص الداخلي للنظام النجمي بي دي إس 70 وُجد على مسافة تقل عن 160 مليون كيلومتر من النجم، وهي ذاتها المنطقة التي يُحتمل أن تتشكل فيها كواكب صخرية مثل الأرض.

ولم يرصد العلماء إلى الآن وجود كواكب صخرية في هذه المنطقة، ولكنهم رصدوا وجود مركبات مثل السيليكات تسمح بنشأة تلك الكواكب ونموها مستقبلًا.

تقول "جوليا بيروتي"، باحثة ما بعد الدكتوراة في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك في هايدلبرج بألمانيا، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: هذا الاكتشاف مثيرٌ للغاية؛ لأنه يستكشف المنطقة التي تتشكل فيها عادةً الكواكب الصخرية الشبيهة بالأرض.

تضيف "بيروتي" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": قبل استخدام تليسكوب جيمس ويب الفضائي، لم يكن ممكنًا دراسة الأقراص الداخلية المتربة للنظم الشبيهة بالنجم "بي دي إس 70"، بسبب ارتفاع نسبة الضوضاء والارتباك الذي يؤثر على الأطياف، مما يؤدي إلى صعوبات في فصل الجزيئات،  أما الآن فيمكننا التوصل إلى فهم أفضل لما يشكل منطقة تكوين الكواكب الصخرية، كما ساعدتنا كاميرا ميري على كشف الأثر الضعيف لجزيئات الماء في الأقراص الكوكبية.

ماضي الأرض السحيق

يُرجح الباحثون أن وجود الماء في أماكن قريبة من النجم ربما حدث لسببين: الأول هو أن الماء وُجد بشكل مبكر في السحابة السديمية التي نشأ داخلها النجم، ما يعني أن الماء بقي في هذه المنطقة بعد تكوُّن النجم، والثاني أن بعضًا من الماء الذي نشأ في مناطق بعيدة من القرص الكوكبي سُحب بطريقةٍ ما إلى القرص الداخلي للنجم.

تقول "بيروتي": وجدنا أن الأقراص الداخلية للنجم "بي دي إس 70" رطبة، وذلك على العكس مما كان يُعتقد سابقًا، لقد رأينا الماء في أقراص أخرى، لكن ليس بهذا القرب الشديد أو داخل نظام تتجمع فيه كواكب في الوقت الحالي، لم يكن ممكنًا إجراء هذا النوع من القياس قبل ظهور تلسكوب جيمس ويب الفضائي.

وسبق أن رصد العلماء وجود بخار الماء أكثر من مرة، لكن في الغياهب البعيدة للأقراص النجمية، فقد ذكرت دراسة نشرتها دورية "نيتشر" أن العلماء اكتشفوا إشارةً قويةً للمياه في القرص الكوكبي الأولي المحيط بنجم يشبه الشمس يُعرف بـ(V883 Ori)، في إشارة إلى أن "الماء الموجود على الأرض أقدم حتى من الشمس؛ إذ إن له أصولًا بين نجمية؛ فقد أكدت الدراسة أن المياه وُجدت في القرص الكوكبي الأولي قبل أن يتشكل النجم نفسه".

لكن الماء وُجد على مسافة أكبر من 80 وحدة فلكية من النجم، أي حوالي 12 مليار كيلومتر تقريبًا من النجم القاطن في المركز، وأشارت الدراسة إلى أن هذا المخزون من الماء يتيح تغذية المذنبات التي يمكن أن تنقله إلى داخل النظام الكوكبي في وقت لاحق.

المذنبات الحاملة للماء

ومع فشل كثير من عمليات الرصد السابقة في إيجاد الماء على مسافة قريبة من النجم المركزي، تصور الباحثون أن الإشعاع الصادر من النجم في أثناء نشأته ومراحله العمرية الأولى سيبيد الماء الذي يمكن أن ينشأ في تلك المنطقة تمامًا، ولكن تلك الفرضية طرحت أسئلة إضافية عن كواكب مثل كوكب الأرض الذي يحتوي على الماء بكثرة لدرجة تجعله يلمع في الفضاء مثل كرة ملساء زرقاء اللون، وكوكب المريخ الذي احتوى على الماء قبل مليارات السنوات.

وبالتبعية تصور العلماء أن مصدر الماء الوحيد المتاح للكواكب الصخرية هو المذنبات والكويكبات التي نقلت الماء من الخارج إلى الداخل في أثناء تكوُّن المجموعة الشمسية، وكان من الواضح منذ بدء عمليات استكشاف المذنبات أن تلك الكتل الجليدية تحتوي على الماء، ومثال على ذلك ما ذكرته دراسة أُجريت عام 2019، مشيرةً إلى أن الماء الموجود على سطح مذنب "ويرتانين" الذي مر قريبًا من الأرض في ديسمبر 2018 يشبه في تركيبه الماء الموجود في محيطات الأرض.

وقارن الباحثون في هذه الدراسة النسبة بين الماء العادي والماء الثقيل (وهو صورة للماء تحتوي إحدى ذرات الهيدروجين فيها على نيوترون إضافي) في الأرصاد الخاصة بالمذنب ومحيطات كوكب الأرض، وكانت متشابهة.

كما أظهرت تحليلات أجراها العلماء في عام 2011 لبيانات صادرة من مرصد هيرشل الفضائي للمرة الأولى أن المذنب "هارتلي 2" -الذي أَطلق عليه مركز الكواكب الصغيرة اسم 103بي/هارتلي- يحتوي على نسبة من الماء العادي إلى الماء الثقيل تعادل النسبة الموجودة في محيطات الأرض.

وفي سبتمبر 2022، ذكرت دراسة نشرتها دورية "ساينس" أن كويكب "ريوجو" احتوى على الماء وثاني أكسيد الكربون الذي كان موجودًا في شكل جليد، وذلك في أثناء نشأته الأولى بعد 1.8 مليون إلى 2.9 مليون سنة تقريبًا بعد بداية تكوين النظام الشمسي في الجزء الخارجي من القرص الدوار.

ونال الكويكب "ريوجو" اهتمامًا واسعًا بعد إطلاق المسبار الياباني "هايابوسا 2" في 2014 بهدف الحصول على عينات منه وإرسالها إلى الأرض، الأمر الذي حدث بالفعل في ديسمبر 2020؛ إذ كشفت العينات احتواء الكوكب على مجموعة من المواد العضوية تُعد من اللبنات الأساسية لجميع الأشكال المعروفة للحياة الأرضية مثل "اليوراسيل"، وهو جزء من الحمض النووي الريبوزي في أجسام البشر.

قصف متأخر للأرض

ووفق الفرضية التي تقترح أن الماء قد جاء إلى الأرض، فإن الماء تكوَّن في وقت مبكر جدًّا على شكل جليد في الجوانب الخارجية للقرص الكوكبي الذي أحاط بالشمس قبل حوالي 4.5 مليارات سنة، ثم خلال فترة القصف الشديد المتأخر، التي وقعت قبل ما يتراوح بين 4 مليارات و3.8 مليارات سنة، تعرضت الأرض وبقية الكواكب الصخرية لزخات كثيفة من المذنبات والكويكبات القادمة من الجوانب الخلفية للمجموعة الشمسية، وحملت الماء إلى الأرض في أثناء ذلك.

وبطبيعة الحال فإن النتائج الصادرة مؤخرًا، اعتمادًا على بيانات جيمس ويب، لا تحطم فرضية الماء القادم من خلفية المجموعة الشمسية، لكنها تطرح احتمالًا جديدًا يقول إن "بعضًا من الماء ربما وُجد في المنطقة التي تشكلت بها الأرض قبل نحو 4.5 مليارات سنة، وربما دخل الماء بذلك في تركيب الأرض الناشئة من اللحظة الأولى، وربما بعد ذلك جاء مزيد من الماء إلى الأرض عبر المذنبات".

تقول "بيروتي": سيساعدنا تلسكوب جيمس ويب الفضائي، إلى جانب رصد تلسكوبات مثل "ألما"، في دراسة بنية القرص الداخلي الكوكبي المحيط بالنجم "بي دي إس 70"، ونسعى لتحقيق ذلك بمزيد من العمق.

doi:10.1038/nmiddleeast.2023.128