أخبار

ماذا تقول ميكانيكا الكم عن طبيعة الواقع؟

نشرت بتاريخ 29 أغسطس 2025

أول استطلاع ضخم يكشف تباين آراء علماء الفيزياء حول تفسيرات نظرية الكم

إليزابيث جيبني

Credit:OLENA SHMAHALO/NATURE

تُعد ميكانيكا الكم من أنجح النظريات العلمية، وهي تُسهم في تيسير الكثير من جوانب الحياة الحديثة. وتعتمد التقنيات، بدءًا من رقائق الحاسوب وصولًا إلى أجهزة التصوير الشعاعي الطبي، على تطبيق معادلات هذا الفرع من العلم، والتي وُضعت لأول مرة قبل قرن من الزمان وتصف سلوك الأجسام على المستوى المجهري.

لكن الخلاف لا يزال قائمًا بين الباحثين على نطاق واسع حول أفضل طريقة لوصف الواقع الفيزيائي الذي الكامن وراء هذه المعادلات الرياضية، بحسب ما كشف عنه استطلاع نشرته دورية Nature.

في فعالية أقيمت بمناسبة الذكرى المئوية لميكانيكا الكم الشهر الماضي، ناقش متخصصون مرموقون في مجال فيزياء الكم هذه القضية بأدب وحزم في الوقت نفسه. فقال الفيزيائي أنطون زيلينجر، من جامعة فيينا: "لا وجود لعالَم كمي"، موضحًا وجهة نظره القائلة بأن الحالات الكمية ليس لها وجود سوى في رأسه، وأنها تصف المعلومات، لا الواقع. ورد آلان أسبكت، الفيزيائي من جامعة باريس-ساكلاي، والذي تقاسم جائزة نوبل لعام 2022 مع زيلينجر عن أبحاثه حول الظواهر الكمية: "لا أتفق مع هذا الرأي".

للحصول على لمحة عامة عن كيفية تفسير المجتمع العلمي على اتساعه لفيزياء الكم في العام المائة لها، أجرت دورية Nature أكبر استطلاع رأي على الإطلاق حول هذا الموضوع. فقد أرسلنا رسائل بالبريد الإلكتروني إلى أكثر من 15 ألف باحث تناولت أبحاثهم الحديثة ميكانيكا الكم، ودعونا أيضًا المشاركين في الاجتماع المئوي، الذي عُقد في جزيرة هيليجولاند الألمانية، للمشاركة في الاستطلاع.

وأظهرت الردود — التي تجاوز عددها 1100، معظمها من فيزيائيين — مدى التباين في فهم الباحثين لأهم سمات التجارب الكمية (انظر "التفسيرات المفضلة لنظرية الكم في الاستطلاع").

وكما فعل أسبكت وزيلينجر، اختلف المشاركون اختلافًا جذريًا حول ما إذا كانت الدالة الموجية — الوصف الرياضي للحالة الكمية لجسم ما — تُمثل شيئًا حقيقيًا (36% من المشاركين تبنوا هذا الرأي)، أم أنها مجرد أداة مفيدة (رأي 47% من المشاركين)، أم أنها تصف معتقدات ذاتية حول نتائج التجارب (8% أيدوا هذا الرأي، انظر "ما الدالة الموجية؟"). ويشير هذا إلى وجود انقسام كبير بين الباحثين الذين يتبنون في هذا الإطار إما وجهات نظر تصف "الواقع"، وترتكز على إسقاط معادلات على العالم الحقيقي، أو وجهات نظر تصف "إدراكنا"، وتقول إن فيزياء الكم تُعنى فقط بالمعلومات.

كما انقسم المجتمع العلمي حول ما إذا كان هناك حد فاصل بين العالم الكمي والعالم الكلاسيكي (أجاب 45% من المشاركين بنعم، و45% بلا، و10% بأنهم غير متأكدين من ذلك). وأبدى البعض ترددًا في الإجابة عن أسئلتنا بالطريقة التي صيغت بها، وقدّم أكثر من 100 مشارك تفسيراتهم الخاصة (يمكن الاطلاع على الاستطلاع والمنهجية ونسخة مُجهلة الهوية من البيانات الكاملة على شبكة الإنترنت).

وعن نتائج الاستطلاع، تقول جيما دي ليس كوفس، عالمة الفيزياء النظرية من جامعة بومبيو فابرا في برشلونة، إسبانيا: "من الملاحظ أن الأشخاص ذوي المعرفة الواسعة بنظرية الكم يمكن لآرائهم أن تختلف تمامًا عن بعضها البعض".

سألت دورية Nature الباحثين عن أفضل تفسير للظواهر الكمية وتفاعلاتها، أي التفسير المفضل لديهم من بين مختلف التفسيرات التي أسفرت عنها المحاولات المختلفة من جانب العلماء لربط رياضيات ميكانيكا الكم بالواقع. ففضّلت النسبة الأكبر من المشاركين، 36%، تفسير كوبنهاجن، وهو نهج عملي يكثر تدريسه. لكن الاستطلاع أظهر أيضًا أن العديد من وجهات النظر الأكثر تطرفًا تحظى بتأييد واسع.

وعند سؤالهم عن مدى ثقتهم بإجاباتهم، رأى 24% فقط من المشاركين أن تفسيرهم المفضل صحيح، فيما اعتبره آخرون مناسبًا أو أداة مفيدة في بعض الحالات. علاوة على ذلك، لم يُعطِ بعض العلماء الذين بدا أنهم ينتمون إلى المعسكر نفسه إجابات متطابقة على أسئلة المتابعة، مما يشير إلى تفاوُت أو اختلاف في فهم التفسير الذي اختاروه.

يقول ريناتو رينر، عالم الفيزياء النظرية من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيورخ: " كانت تلك مفاجأة كبيرة لي". ويعني ذلك أن العديد من باحثي نظرية الكم يستخدمون ببساطة النظرية دون أن يتعمقوا في معناها؛ وذلك على طريقة "اصمت واحسب"، على حد قوله، مستخدمًا عبارة صاغها الفيزيائي الأمريكي ديفيد ميرمين. لكن رينر الذي ينصب اهتمامه على أسس ميكانيكا الكم، يسارع إلى التأكيد على أنه لا حرج في مجرد إجراء الحسابات. ويقول: "لم يكن ليصبح لدينا حاسوب كمي لو كان الجميع مثلي".

تفسير كوبنهاجن لا يزال مهيمنًا

على مدار القرن الماضي، اقترح الباحثون طرقًا عديدة لتفسير الواقع الكامن وراء رياضيات ميكانيكا الكم، والذي يبدو أنه يثير مفارقات صارخة. ففي نظرية الكم، يُميَّز سلوك الجسم بدالته الموجية: وهي تعبير رياضي محسوب باستخدام معادلة وضعها الفيزيائي الألماني إروين شرودنجر عام 1926. تصف الدالة الموجية حالة كمية، وتوضح الكيفية التي تتطور بها هذه الحالة كسحابة من الاحتمالات. وما دام الجسيم غير مرصود، فهو على ما يبدو ينتشر كموجة؛ متداخلًا مع نفسه ومع جسيمات أخرى ليكون في حالة "تراكب" من الحالات، كما لو أنه في أماكن متعددة أو يحمل قيمًا متعددة لخواص ما في آن واحد. لكن رصد خصائص الجسيم أو قياسه تُحوِّل هذا الوجود الضبابي إلى حالة واحدة ذات قيم محددة. يُشار إلى هذا أحيانًا باسم "انهيار" الدالة الموجية.

ويزداد الأمر غرابة: وضع جسيمين في حالة تراكب مشترك يمكن أن يؤدي إلى التشابك، مما يعني أن حالتيهما الكميتين تظلان متشابكتين حتى عندما يكون الجسيمان متباعدين.

الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرج، الذي أسهم في صوغ الرياضيات الكامنة وراء ميكانيكا الكم عام 1925، ومرشده الفيزيائي الدنماركي نيلز بور، تجاوزا إلى حد كبير ثنائية الموجة والجسيم الغريبة بأن أقرا بأن الطرق الكلاسيكية لفهم العالم محدودة، وبأننا لا ندرك إلا ما تخبرنا به المشاهدات أو عمليات الرصد. رأى بور أنه من المنطقي أن يتراوح سلوك الجسم بين سلوك الجسيم وسلوك الموجة، لأن كلا السلوكين تدل عليهما مفاهيم مستعارة من الفيزياء الكلاسيكية، ولا يمكن رصدهما إلا واحدًا تلو الآخر، عن طريق التجربة، حيث يعيش المُجرِّب في عالم الفيزياء الكلاسيكية منفصلًا عن النظام الكمي الذي يقيسه.

لم يقتصر رأي هايزنبرج وبور على استحالة الحديث عن موقع جسم ما حتى يُرصَد بالتجربة، بل اعتقدا أيضًا أن خصائص الجسيم غير المرصود تبقى في الواقع غير ثابتة جوهريًا حتى يحين قياسها؛ بدلًا من الاعتقاد بأنها محددة، ولكن غير معروفة للمُجرِّبين. وقد أثار هذا التصور قلق أينشتاين، الذي أصر على الرأي القائل بوجود واقع قائم سابق، وأن قياسه من اختصاص العلم.

بعد عقود، اشتهرت نظرية تمزج بين آراء هايزنبرج وبور الغير المتجانسة دائمًا، تعرف باسم تفسير كوبنهاجن، نسبةً إلى الجامعة التي أنجز فيها الثنائي أبحاثهما الرائدة. ولا تزال هذه النظرية الرؤية الأكثر شيوعًا لميكانيكا الكم اليوم، وفقًا لاستطلاع دورية Nature. ويرى كاسلاف بروكنر، فيزيائي الكم من جامعة فيينا، أن الأداء القوي لهذا التفسير "يعكس جدواه المستمرة في توجيه الممارسة اليومية في أبحاث الكم". وقد أيّد ما يقرب من نصف الفيزيائيين التجريبيين الذين شاركوا في الاستطلاع هذا التفسير، مقارنةً بـ 33% من واضعي النظريات في مجال ميكانيكا الكم. يقول ديسيو كراوس، الفيلسوف من الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو، البرازيل، والذي يدرس أسس الفيزياء، وشارك في الاستطلاع: "إنه أبسط تفسير لدينا". فعلى الرغم من مشكلاته، تُثير البدائل "مشكلات أخرى أسوأ من وجهة نظري"، على حد قوله.

لكن آخرين يُحاججون بأن ما أظهرته النتائج من شيوع تبني تفسير كوبنهاجن نابع من مصادفة تاريخية، وليس من نقاط قوته. ويقول النقاد إنه يتيح للفيزيائيين تجنب أسئلة أعمق.

يتعلق أحد تلك الأسئلة بالكيفية التي يمكن أن يعمل بها القياس على تحفيز الأجسام على التحول من الوجود في حالات كمية تصف الاحتمالات، إلى امتلاك خصائص العالم الكلاسيكي المحددة.

ومن السمات الأخرى غير الواضحة مسألة ما إذا كانت الدالة الموجية تُمثل شيئًا حقيقيًا (وهي إجابة اختارها 29% من مُؤيدي تفسير كوبنهاجن) أم أنها مجرد معلومات حول احتمالات إيجاد قيم مختلفة عند القياس (اختارها 63% من هذه المجموعة). في هذا الإطار تقول إليز كرول، اختصاصية فلسفة الفيزياء من جامعة مدينة نيويورك: "أشعر بخيبة أمل، لكنني لست مندهشة من الشعبية التي حظي به تفسير كوبنهاجن. أشعر أن الفيزيائيين لم يُفكّروا مليًا".

شاع اعتناق الأسس الفلسفية لتفسير كوبنهاجن إلى حد جعلها تبدو وكأنها ليست بأي حال مجرد تفسير، حسبما أوضح روبرت سبيكينز، الذي يدرس أسس الكم في معهد بريمتر للفيزياء النظرية في واترلو، كندا. ويقول إن العديد من المؤيدين "يتبنون تفسير كوبنهاجن دون التدقيق فيه".

كان المشاركون في الاستطلاع الذين أجروا أبحاثًا في الفلسفة أو أسس الكم، ودرسوا الافتراضات والمبادئ الكامنة وراء فيزياء الكم، هم الأقل ميلًا إلى تفضيل تفسير كوبنهاجن، حيث اختاره 20% فقط. يقول كارلو روفيلي، عالم الفيزياء النظرية من جامعة إيكس مرسيليا في فرنسا: "إذا استخدمتُ ميكانيكا الكم في مختبري يوميًا، فلن أحتاج إلى تفسيرات أخرى بخلاف تفسير كوبنهاجن". لكن بمجرد أن يُطبّق الباحثون تجارب فكرية تتعمق في سبر المسألة، فإن "تفسير كوبنهاجن وحده لا يكفي" على حد قوله.

ما التفسيرات البديلة المتاحة؟

في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية وتطوير القنبلة الذرية، بدأ الفيزيائيون باستغلال نظرية ميكانيكا الكم والاستفادة منها، وضخّت الحكومة الأمريكية أموالًا طائلة في هذا المجال. وأُهمل البحث الفلسفي. وهيمن تفسير كوبنهاجن على الفيزياء السائدة، لكن بعض الفيزيائيين وجدوه غير شافٍ، فطرحوا بدائل (انظر "ميكانيكا الكم: خمسة تفسيرات").

في عام 1952، أعاد الفيزيائي الأمريكي ديفيد بوم طرح فكرة كان قد طرحها لأول مرة الفيزيائي الفرنسي لويس دي برولي عام 1927، وهي أن الطبيعة المزدوجة الغريبة للأجسام الكمية تُفهم إذا كانت جسيمات نقطية ذات مسارات تُحددها موجات "دليلية". امتازت ميكانيكا "بوم" بتفسيرها لتأثيرات التداخل مع إحيائها لفكرة الحتمية في الوقت نفسه، وهي الفكرة القائلة بأن خصائص الجسيمات لها قيم ثابتة بالفعل قبل قياسها. وقد وجد استطلاع أجرته دورية Nature أن 7% من المشاركين قالوا إن هذا التفسير هو الأكثر إقناعًا.

ثم في عام 1957، طرح الفيزيائي الأمريكي هيو إيفرت بديلًا أكثر جرأة، وهو البديل الذي فضّله 15% من المشاركين في الاستطلاع. ينص تفسير إيفرت، الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم "العوالم المتعددة"، على أن الدالة الموجية تناظر شيئًا حقيقيًا. أي أن الجسيم موجود بالفعل، بطريقة ما أو بأخرى، في أماكن متعددة في آنٍ واحد. ومن موقعه المميز في عالم واحد، سيرى الراصد الذي يقيس الجسيم نتيجة واحدة فقط، لكن الدالة الموجية لا تنهار أبدًا. بل تتفرع إلى أكوان متعددة، كون واحد لكل نتيجة مختلفة. يقول شون كارول، الفيزيائي والفيلسوف من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، ماريلاند، والذي شارك في الاستطلاع: "يتطلب الأمر تعديلًا جذريًا لحدسنا حول العالم، ولكن بالنسبة لي، هذا بالضبط ما يجب أن نتوقعه من نظرية أساسية حول الواقع".

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حاولت نظريات "الانهيار التلقائي" حل مشكلات مثل مشكلة القياس الكمي. وقد أدخلت نسخ من هذه النظريات تعديلات على معادلة شرودنجر، بحيث لا يتطلب الانهيار راصدًا أو قياسًا، بل تنهار الدالة الموجية من تلقاء نفسها أحيانًا. في بعض هذه النماذج، يؤدي تجميع الأجسام الكمية إلى تضخيم احتمالية الانهيار، ما يعني أن إدخال جسيم في حالة تراكب باستخدام معدات قياس يجعل فقدان الحالة الكمية المُركّبة حتميًا. وقد اختار نحو 4% من المشاركين هذه النظريات.

ويشير استطلاع دورية Nature إلى أن التوصيفات "المعرفية"، التي تقول إن ميكانيكا الكم تكشف فقط عن المعرفة المتعلقة بالعالم، بدلًا من تمثيل واقعه المادي، ربما تكون قد اكتسبت رواجًا؛ إذ وجد استطلاع أُجري عام 2016 وشمل 149 فيزيائيًا1 أن نحو 7% فقط اختاروا تفسيرات ذات طبيعة معرفية، مقارنةً بـ 17% في استطلاعنا (على الرغم من اختلاف الفئات المحددة التي شملها الاستطلاعين وتباين منهجياتهما). ظهرت بعض هذه النظريات، التي تستند إلى تفسير كوبنهاجن الأصلي، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت تطبيقات مثل الحوسبة الكمية والاتصالات في تأطير التجارب في إطار معلوماتي. ويرى أتباع هذه النظريات، مثل زيلينجر، أن الدالة الموجية مجرد أداة للتنبؤ بنتائج القياس، دون أي تطابق مع العالم الواقعي.

تقول لادينا هاوسمان، عالمة الفيزياء النظرية من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا والتي شاركت في الاستطلاع إن النظرة المعرفية جذابة لأنها الأكثر تحفظًا، "فهي لا تتطلب مني افتراض أي شيء يتجاوز كيفية استخدامنا للحالة الكمية عمليًا".

أحد التفسيرات المعرفية، ويُعرف باسم "ميكانيكا بيشان الكمية" QBism (كتبه عدد قليل من المشاركين الذين اختاروا خانة "أخرى" كتفسيرهم المفضل)، يذهب بالنظرية إلى أبعد الحدود؛ إذ ينص على أن عمليات الرصد التي يُجريها "عامل" محدد تكون ذات طابع شخصي تمامًا ولا تُعد صالحة إلا له. وينص تفسير مشابه، يعرف باسم "التفسير القائم على العلاقات لميكانيكا الكم"، أشار إليه روفيلي لأول مرة عام 1996 (واختاره 4% من المشاركين)، على أن الحالات الكمية تصف دائمًا العلاقات بين المنظومات فقط، ولا تصف هذه المنظومات نفسها.

وعندما طُرحت أسئلة متابعة محددة حول الكيفية التي يُنظَر بها إلى جوانب ميكانيكا الكم، اختلفت آراء الباحثين اختلافًا كبيرًا وهو أمر متوقع من تنوع التفسيرات العامة التي فضّلوها.

من بين الأسئلة التي تنوعت فيها الإجابات تنوعًا كبيرًا سؤال يتعلق بأحد أغرب جوانب ميكانيكا الكم، وهو أن نتائج عمليات الرصد للجسيمات المتشابكة مترابطة، حتى لو تباعدت الجسيمات آلاف الكيلومترات. يُشار إلى هذه الإمكانية للارتباط البعيد باسم "اللاموضعية". ولا يسمح هذا الارتباط بالاتصال الأسرع من الضوء. لكن المشاركين اختلفوا حول مسألة ما إذا كان هذا يُمثل نوعًا من التأثير الحقيقي واللحظي عبر الزمكان، بحيث يُغير قياسُ جسيم واحد شريكه المتشابك على الفور ويؤثر في نتائج القياسات المستقبلية.

في الاستطلاع، أعرب 39% من المشاركين عن اعتقادهم بأن مثل هذا "التأثير عن بُعد" حقيقي. أما الباقون، فكانوا إما غير متأكدين أو كان الخلاف بينهم من نواحٍ شتى. فإذا كان قصد المشاركين الذين أجابوا بـ "نعم" الإشارة إلى أن تأثيرًا فيزيائيًا ينتقل أسرع من الضوء، فإن هذا يتعارض مع نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، كما تقول فلامينيا جياكوميني، عالمة الفيزياء النظرية في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا. من جانبه يضيف رينر قائلًا: "يجب أن يشعر هذا كل فيزيائي جاد بالقلق. وأنا شخصيًا أشعر بالحيرة". ومع ذلك، ربما أجاب بعض المشاركين، مثل أولئك الذين يتبنون وجهات نظر معرفية، بـ "نعم"، لكنهم فسروا التأثير اللحظي على أنه مجرد تغيير فوري في معلوماتهم، وليس تأثيرًا فيزيائيًا، حسبما تقول جياكوميني.

الخروج من المأزق

كيف ينشأ هذا الاختلاف الشديد حول العالم الكامن الذي تصفه نظرية الكم، في الوقت الذي يُجري فيه الجميع الحسابات نفسها؟ فإلى جانب الكشف عن اختلاف مواقف العلماء التجريبيين والنظريين — وميل دارسي أسس الكم إلى تجنب تفسير كوبنهاجن — لم يبدُ أن الآراء الواردة في استطلاع دورية Nature مرتبطة بعوامل أخرى. أحد هذه العوامل هو الجنس (8% فقط من المشاركين كانوا نساءً، وهي نسبة، وإن كانت منخفضة، إلا أنها تتفق مع نتيجة أمكن التوصل إليها في وقت سابق من هذا العام مفادها أن 8% فقط من كبار المؤلفين في أبحاث مجلة «نيتشر فيزيكس» Nature Physics نساءٌ.2) ويبدو أن تأثير أماكن عمل الناس في العالم، وديانتهم، كان ضئيلًا (مع أن قلة عدد من أجابوا عن السؤال الأخير جعلت النتيجة غير قاطعة). وكان المشاركون أقرب ما يكونون للإجماع عندما سُئلوا عما إذا كانت محاولات تفسير رياضيات ميكانيكا الكم بطريقة فيزيائية أو بديهية ذات أهمية؛ إذ أجاب 86% بنعم.

كما اعتقد ثلاثة أرباع المشاركين أن نظرية أكثر اكتمالًا ستحل محل نظرية الكم في المستقبل، على الرغم من أن معظمهم توقعوا أيضًا أن عناصر منها ستبقى. وصحيحٌ أن ميكانيكا الكم من بين أكثر النظريات التي جرى التحقق منها تجريبيًا في التاريخ، لكن رياضياتها تعجز عن وصف الجاذبية، والتي تُفسَّر بدلًا من ذلك على أنها انحناء في الزمكان من خلال نظرية النسبية العامة. هذا يدفع العديد من الباحثين إلى الاعتقاد بأن فيزياء الكم ربما تكون غير مكتملة.

يقول الباحثون الذين يتركز اهتمامهم على أسس الكم إن اختيار تفسير معين هو في الأصل اختيار بين التضحيات التي يستتبعها كل تفسير. فتبني عوالم متعددة يعني التسليم بوجود عدد لا حصر له من الأكوان التي ربما لا نتمكن أبدًا من الوصول إليها. وتأييدك لميكانيكا بيشان الكمية يعني الاعتراف بأن نظرية الكم لا تستطيع وصف واقع واحد لجميع الراصدين (مع عدم إنكار وجود واقع مشترك بالضرورة). من هنا، يقول رينر إن الثمن الذي يكون المرء على استعداد لدفعه لا يقتصر على التدريب في مجال الفيزياء فحسب، بل ينطوي على جانب شخصي أيضًا. ويضيف: "المسألة وجدانية للغاية". وقد أفاد ما يقرب من نصف المشاركين في استطلاع دورية Nature أن أقسام الفيزياء لا تولي اهتمامًا كافيًا لأسس الكم (لم تزد نسبة من قالوا إنها تولي اهتمامًا "أكثر من اللازم" لأسس الكم عن 5%).

وبوجه عام نقول إن جميع التفسيرات تتنبأ بالنتائج نفسها. لكن هذا ليس معناه أنه لا يمكن إيجاد طرق للتمييز بينها. فقد وضع طرح قدمه الفيزيائي البريطاني جون بيل في ستينيات القرن الماضي حدودًا لتفسيرات فيزياء الكم بالفعل. فتجاربه الفكرية، التي طُبِّقت بأشكال متعددة منذ ذلك الحين، تستخدم قياسات للجسيمات المتشابكة لإثبات أن فيزياء الكم لا يمكن أن تكون واقعية ومحلية في آن واحد. والواقعية تعني أن للجسيمات خصائص موجودة سواءً قيست أم لا، والمحلية تعني أن الأجسام تتأثر فقط بمحيطها المباشر، وليس بمحيطها البعيد وغير المتصل.

ويتوالى ظهور أساليب جديدة لدراسة التفسيرات الكمية. ففي الشهر الماضي، على سبيل المثال، ذهب فيزيائيون يدرسون ظاهرة النفق الكمومي — التي تخترق فيها الجسيمات حواجز يستحيل تجاوزها عادةً — إلى الاعتقاد بأن السرعة المقيسة للعملية لا تتوافق مع تنبؤات نظرية الموجة الدليلية لبوم3. ورأى نحو 58% من المشاركين في استطلاع دورية Nature أن النتائج التجريبية ستساعد في المفاضلة بين الأساليب القابلة للتطبيق. وأشار بعض المشاركين إلى جهود تُبذَل من أجل توسيع نطاق التراكبات بحيث تشمل الأنظمة البيولوجية، فيما أشار آخرون إلى استكشاف العلاقة بين فيزياء الكم والجاذبية.

يعتقد بعض الفيزيائيين أن استغلال التراكب داخل الحواسيب الكمية سيكشف المزيد عن هذه الظواهر. ففي عام 2024، عندما أعلن هارتموت نيفين، مؤسس شركة جوجل للذكاء الاصطناعي الكمي في سانتا باربرا، كاليفورنيا، عن رقاقة «ويلو» Willow الكمية، حاجج بأن قدرتها على إجراء عملية حسابية تستغرق وقتًا أطول من عمر الكون على أسرع حاسوب كلاسيكي "تُضفي مصداقية على الفكرة القائلة بأن الحوسبة الكمية تحدث في العديد من الأكوان المتوازية"، وذلك في إشارة منه إلى آفاق جديدة لنظرية العوالم المتعددة توصل إليها في عام 1997 ديفيد دويتش، الفيزيائي بجامعة أكسفورد، المملكة المتحدة.

وربما يدعم الاتفاق على تفسير واحد التوصل إلى نهج جديد كليًا. يقول سبيكينز: "بمجرد أن نجد التفسير الصحيح، سيُعلن عن نفسه بإظهاره تماسكًا أكبر من أي تفسير سابق. أعتقد أننا يجب أن نسعى إلى ذلك".

وتحديد ما إذا كان الوضع الراهن يُمثل مشكلةً أم لا أمر متوقف على الشخص الذي تطرح عليه السؤال. يختتم كارلتون كيفز، اختصاصي الفيزياء النظرية في جامعة نيو مكسيكو في ألباكركي، ومنسق لجنة المبادئ الأساسية في اجتماع هيليجولاند، قائلًا: "إنه لأمرٌ مُحرجٌ ألا نملك قصةً نرويها للناس عن ماهية الواقع".

تختلف كرول مع هذا الرأي؛ إذ تقول إن الناس يأخذون مسألة التفسيرات على محمل الجد، "وهذا لا يتسبب في حالة من الفوضى أو الارتباك، بل يؤدي إلى تقدم وإبداع. وهناك نوع من البهجة في ذلك".

هذه ترجمة المقال الإنجليزي المنشور في دورية Nature بتاريخ 30 يوليو عام 2025.

doi:10.1038/nmiddleeast.2025.147


1. Sivasundaram, S. & Nielsen, K. H. Preprint at arXiv

https://doi.org/10.48550/arXiv.1612.00676 (2016).

2. Hallas, A. M. Nature Phys. 21, 491–493 (2025).

3. Sharoglazova, V., Puplauskis, M., Mattschas, C., Toebes, C.

& Klaers, J. Nature 643, 67–72 (2025).