أخبار

من معاناة الاضطراب ثنائي القطب إلى مشروع علمي متعدد التخصصات

نشرت بتاريخ 24 أغسطس 2025

الاضطراب النفسي كلّف امتياز ظافر نحو عقد كامل من حياته الأكاديمية؛ ولكنه بات اليوم دافعَه الأكبر في السعي وراء علاجات أكثر فاعلية.

كانيكا شارما

عند امتياز ظافر السعي إلى تكوين فهم أعمق للاضطراب ثنائي القطب، والمساهمة في تطوير علاجات أفضل له، ليس مجرد هدف مهني، بل هو أيضًا تجربة معاشة.

عند امتياز ظافر السعي إلى تكوين فهم أعمق للاضطراب ثنائي القطب، والمساهمة في تطوير علاجات أفضل له، ليس مجرد هدف مهني، بل هو أيضًا تجربة معاشة.
Credit: Dr. Pradip Paul

امتياز ظافر، باحث متخصص في علم الأعصاب، يكرس علمه لدراسة الاضطراب ثنائي القطب، فهل هو مجرد موضوع بحث مهني، أم أنه واقع معاش يضرب جذوره في تجربته الشخصية؟ خلال مسيرته لنيل الدكتوراة، وجد ظافر عقله يتلاطم بين الذهان، والهوس، والاكتئاب. ومن مريض أنهكته الأوهام بالأمس إلى باحث يسبر أغوارها اليوم. يعود ظافر إلى المعهد الوطني للصحة النفسية والعلوم العصبية (NIMHANS)، في مدينة بنجالور الهندية، بعد مضيّ ما يقرب من عقد من الزمان، لا يعود مريضًا هذه المرة بل باحثًا.

يعكف ظافر وزملاؤه اليوم على تقصي تأثير مثبّتات المزاج ومضادات الذهان - على المستوى الجزيئي - في الخلايا الدماغية (تحديدًا الخلايا العصبية القشرية والخلايا الدبقية)، المستنبتة من خلايا جذعية أُخذت من أشخاص يتلقون العلاج.

وهكذا، فإن رحلته لتعضيد فهمه للاضطراب ثنائي القطب، بما قد يقود إلى علاجات أكثر فاعلية، هي ليست مجرد هدف مهني، وإنما مهمة شخصية وتجربة واقعية عايشها بكل تفاصيلها.

كيف ومتى بدأت معاناتك مع الاضطراب ثنائي القطب؟

تُوفي والدي وأنا في سن الرابعة عشرة، ووجدتْ أمي نفسها أمام مسؤولية تربية خمسة أطفال، بلا أي مصدر للدخل. ثم ما لبثتْ أمي أن شُخصت بالاكتئاب. وكنت مولعًا بالعلوم، وكان حلم دراسة الطب يراودني؛ لكني آثرتُ دراسة التكنولوجيا الحيوية في جامعة باتنا، حتى لا أبتعد عن أهلي ومنزلنا هناك.

واستبد بي قلق عنيف، ورزحت تحت وطأة ضغوط هائلة للتفوق في الامتحانات التنافسية - وهي مشاعر تَبيّن لاحقًا أنها مؤشرات اكتئاب. وتدهورتْ حالتي أكثر عندما شرعتُ في دراسة الدكتوراة في المركز الوطني للعلوم البيولوجية التابع لمعهد تاتا للبحوث الأساسية (NCBS–TIFR) في بنجالور.

كيف كانت صحتك العقلية أثناء فترة دراسة الدكتوراة؟

نظرًا إلى ضعف مهاراتي الاجتماعية، عشتُ في عزلة شبه تامة، وبدأت تراودني أفكار بأن زملائي في المعمل يتآمرون لتخريب أبحاثي والإطاحة بي.

ثم استفحل الهوس وجنون الشك لديّ، فاضطررت إلى أخذ استراحة من المعمل. وفي ليلة من الليالي في عام 2009، اتصل بي أخي ليبلغني بوفاة والدتنا. لم أُبدِ أي ردة فعل عبر الهاتف؛ لكني أغلقتُ على نفسي باب الغرفة. حجز لي أحد أصدقائي تذكرة للعودة إلى المنزل، لكنني هددت بالانتحار إن أُجبرت على السفر.

ازداد جنون الشك استعارًا. وعدتُ إلى المنزل؛ لكن الهلاوس والضلالات لم تفارقني. في أوقات كثيرة، كنت أتوهم أن أمي ما زالت حية، فأخرج لأفتش عنها. ثم تتزاحم في رأسي أفكار بأنها قُتلت على يد أفراد من عائلتي وزملائي في العمل.

هربتُ إلى دلهي لاجئًا إلى أحد الأصدقاء؛ لكن شعور الخطر كان يلاحقني. وما لبثتُ أن أُودعتُ في عنبر نفسي مغلق. وبسبب الهلاوس التي راودتني، وأعراض الذهان وجنون الشك التي بدت عليّ، ظن الطاقم الطبي أنني مصاب بالفصام. وقولت لهم إن ما أعانيه هو ذهان ناتج عن الاكتئاب. وتسببتْ مضادات الذهان التي وُصفتْ لي في ظهور أعراض حركية لا إرادية تُعرف بالأعراض خارج الهرمية، ما جعلني غير قادر على الجلوس أو البقاء ساكنًا. غادرت المستشفى بتعليمات تضمنتْ تناول أدوية مدى الحياة، إلى جانب متابعة منتظمة مع طبيب أمراض نفسية. وانقضت السنوات الثلاث التالية وأنا طريح الفراش ينهشني الاكتئاب في صمت.

في نهاية المطاف، طفح بي الكيل. فأنا الوحيد في عائلتي الذي بلغ هذا المبلغ من التعليم، ولم أكن لأدعَ كل ذلك يذهب أدراج الرياح. وأقنعتُ طبيبي النفسي بأن يصف لي مضادات للاكتئاب، وكانت تلك نقطة التحول.

كيف أعدتَ توجيه دفة حياتك نحو المسار العلمي من جديد، واستطعتَ استئناف دراسة الدكتوراة بعد كل ما مررتَ به؟

عدتُ إلى العمل في عام 2013، حيث درّستُ زراعة خلايا الثدييات بصفتي عضو هيئة تدريس زائر بجامعة باتنا، كما توليت تدريب وتوجيه الطلاب الساعين إلى اجتياز اختبارات القبول الوطنية المؤهلة للتدريب الطبي. بعدها بثلاث سنوات، استأنفت برنامج الدكتوراة في المركز الوطني للعلوم البيولوجية. استهدفتُ هذه المرة السيروتونين وعلاقته بالاضطرابات النفسية، وهو الموضوع الذي لا يمتّ بصلة إلى مشروعي السابق.

بعد مناقشة أطروحة الدكتوراة، غادرتُ إلى الولايات المتحدة في أكتوبر من عام 2021، لبدء زمالة ما بعد الدكتوراة في معهد الطب التجديدي التابع لمركز «سيدارز-سيناي» الطبي في لوس أنجلوس، كاليفورنيا. وهناك شخَّص أحد الأطباء حالتي على أنها اضطراب ثنائي القطب، وليس فصامًا كما قيل لي من قبل.

ما الذي دفعك إلى اختيار الاضطراب ثنائي القطب موضوعًا لأبحاثك، وكيف تتدبر حياتك اليومية للتعامل معه؟

أثار تشخيص أمي فضولي حيال الصحة العقلية، لكني لم أكن أملك حينها المعرفة البيولوجية الواسعة. وبحلول الوقت الذي شُخصتُ فيه بالاضطراب ثنائي القطب، كنتُ قد صرتُ على إلمام بأسس علم الوراثة ووظائف الجهاز العصبي.

كانت هذه المعرفة عونًا لي في تدبر تقلباتي المزاجية الحادة المتأرجحة بين الصعود والهبوط. ولولا معايشتي للاضطراب ثنائي القطب، ما كنتُ لأكتسب كل هذه المعرفة. وهو أيضًا ما يدفعني إلى البحث في موضوعات متعددة. ففي حالتي، ظل التشخيص يتبدل بين عدة اضطرابات - ما بين الاكتئاب والفصام، ليستقر في النهاية على الاضطراب ثنائي القطب. ما دفعني إلى توسيع نطاق بحثي ليشمل عدة مجالات مثل بيولوجيا الخلية، وعلم الوراثة، والبيولوجيا الجزيئية، ونظم المعلومات الحيوية، فقد أدركتُ مدى شيوع سوء الفهم المرتبط بالاضطراب ثنائي القطب.

وأعمل حاليًّا على مشروع مشترك بين المعهد الوطني للصحة النفسية والعلوم العصبية والمركز الوطني للعلوم البيولوجية، مدته 5 سنوات، بمنحة قدرها مليار روبية (12 مليون دولار أمريكي). وفيه أتولى الإشراف على ثلاثة من أعضاء المختبر، حيث أساعدهم في استنبات خلايا جذعية مستحَثّة متعددة القدرات iPS cells مأخوذة من المرضى، وتمايزها إلى خلايا جذعية عصبية، وخلايا عصبية، وخلايا دبقية، فضلًا عن دراسة تأثير الأدوية على التعبير الجيني، والأيض الغذائي، وموت الخلايا ووظائف أخرى.

فالاضطرابات النفسية، مثل اضطراب ثنائي القطب، غاية في التعقيد. وتلعب جيناتنا وبروتيناتنا، بالإضافة إلى الضغوط البيئية، دورًا محوريًّا في نشأتها، غير أن النظر في التفاعلات بين هذه العوامل غير كافٍ لتطوير علاجات فعالة. كما أن الاستجابة للأدوية تختلف من شخص إلى آخر. تعتبر الهند ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وتتميز بتركيبتها الجينية المتنوعة، ويعاني ملايين من سكانها الاضطراب ثنائي القطب.

في رأيك، ما إيجابيات وسلبيات دراسة اضطراب تعاني منه شخصيًّا؟

أكبر مزية هي حماسي الشديد والتزامي العميق بإجراء بحوث هادفة تسهم في إيجاد علاجات فعالة للاضطراب ثنائي القطب. كما أنني أشارك في ورش علاجية ينظمها المعهد الوطني للصحة النفسية والعلوم العصبية، حيث أشارك بتجربتي الشخصية مع المرضى ومقدمي الرعاية. ولما أعانتني بحوثي على التوغل في فهم الاضطراب والتعلم عنه، غدوتُ واثقًا بقدرتي على مساعدة الآخرين ممن يعانونه.

وفي الحقيقة، لا أرى أي سلبيات. فأنا منفتح جدًا بشأن معايشتي للاضطراب ثنائي القطب، ولا أجد غضاضة في ذلك. ولكن، جميع أعضاء مختبري الحاليين يعرفون إصابتي به، وأحيانًا ما يساورني القلق من أن يطلق الناس من حولي أحكامًا أو ينبذوني؛ نظرًا لما يقترن بالمرض العقلي من وصمة اجتماعية في كثير من الأحيان.

ما النصيحة التي تقدمها للباحثين الآخرين ممن يعانون اضطرابات نفسية؟

لا تتخلَّ عن أحلامك. كثيرون يواصلون المسير ويحققون نجاحًا مدويًّا رغم إعاقاتهم. أن تعرف مرضك جيدًا وتكرس جهودك لفهمه والتعامل معه هو بداية الطريق. المرض النفسي هو مجرد داء شأنه في ذلك شأن داء السكري أو ارتفاع ضغط الدم. والتعامل معه يقتضي تبني عقلية إيجابية وانفتاحًا تجاه الحالة، كي تتمكن من بناء منظومة دعم تتسم بالمتانة.

ليتني عرفتُ بهذا الاضطراب في وقت مبكر؛ لكان من السهل عليّ ربط أعراضي به وتناول الأدوية المناسبة لحالتي. وما كانت حالتي لتتدهور، ولا كنت فقدتُ قرابة العقد من حياتي الأكاديمية. لقد لازمتني أعراض الاضطراب ثنائي القطب لما يقارب عقدين من الزمن، غير أن تشخيص حالتي لم يحدث إلا في وقت متأخر للغاية. حتى آنذاك، لم أُعر التشخيص أي اهتمام. ولم يخطر لي أن أفتش عن الاضطراب ثنائي القطب أو أنني كنت أعيش به، إلا بعد عودتي من الولايات المتحدة إلى الهند. وفي بعض الأحيان، حين أنزع إلى اللهث وراء أهداف غير واقعية، أو تنتابني مشاعر بالعظمة المفرطة، أو يفرط عقلي في النشاط، أتخذ بعض الخطوات للسيطرة على ذلك؛ لإدراكي أنها أعراض الاضطراب ثنائي القطب. 

هذه ترجمة المقال الإنجليزي المنشور في دورية Nature بتاريخ 16 يوليو 2025.

doi:10.1038/nmiddleeast.2025.141