ماذا تقول ميكانيكا الكم عن طبيعة الواقع؟
29 August 2025
نشرت بتاريخ 27 أغسطس 2025
يعتقد عالم الفلك الجنوب إفريقي روجر دين أن الاهتمام الإفريقي بعلم الفلك بدأ يؤتي ثماره، عليه شخصيًا وعلى كثير من الشباب الذين يُقبلون على دراسة هذا المجال.
Credit: Chanté Schatz/Wits University
علم الفلك الراديوي في إفريقيا
في عام 2005، حين تقدَّمت دولة جنوب إفريقيا، مع دول شريكة لها في القارة، بمقترحٍ لاستضافة أكبر مرصد راديوي في العالم، هو المعروف باسم «مصفوفة الكيلومتر المربع» (SKA)، لم تكن تضمُّ القارة آنذاك سوى خمسة علماء متخصصين في علم فلك راديوي، جميعهم في جنوب إفريقيا. وفي العام نفسه، شرعت الدولة في برنامج موجه لتنمية رأس المال البشري، بهدف إعداد الكفاءات اللازمة لبناء وتشغيل واستخدام المراصد الراديوية، التي تجمع الإشارات الراديوية الصادرة عن الأجرام السماوية. واحتفالًا بالذكرى العشرين لتدشين هذا البرنامج، المموَّل من الحكومة الجنوب إفريقية، تم الإعلان عن إضافة خمس وظائف بحثية بدرجة «رئيس كرسي»، وقدّم أكثر من 1,370 منحة دراسية لمرحلتي الدراسة الجامعية والدراسات العليا (ماجستير، دكتوراه، ودراسات ما بعد الدكتوراه)، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 500 مليون راند (28 مليون دولار أمريكي).
يجري الآن العمل على إنشاء «مصفوفة الكيلومتر المربع»، التي ستضم أكثر من 100 ألف هوائي على هيئة أشجار في أستراليا، ونحو 200 هوائي طبقي في جنوب إفريقيا. وإلى ذلك، يملك هذا البلد الإفريقي ويدير عدة تلسكوبات راديوية، ويضم المئات من علماء الفلك الراديوي وطلبة هذا التخصص في الجامعات والمؤسسات البحثية الموزعة على في أنحاء القارة.
وقد تحدَّث فريق المهن العلمية بدورية Nature إلى مسؤولين وعلماء يعملون على تعزيز قدرات إفريقيا في مجال علم الفلك الراديوي، وفي القلب من هذه الجهود، يقع مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي. وفي هذا المقال، وهو الثالث من سلسلة قصيرة تستعرض نمو هذا التخصص في القارة، يروي روجر دين، الحاصل على كرسي أبحاث في «مصفوفة الكيلومتر المربع» بجامعة ويتواترسراند في جوهانسبرج، رحلته من طالب مبتعث ضمن البرنامج، إلى مدير مركز ويتس للفيزياء الفلكية.
كتب روجر دين:
وأنا أقترب من نهاية دراستي الجامعية، كنت أحاول تحديد ما سأفعله في حياتي. لطالما رغبت في دراسة الفلك، لكن والديّ كانا يريان أن الهندسة خيار أفضل (كانا يأملان أن يكون شغفي بالفلك مجرد نزوة عابرة).وعلى غير انتظار، سنحت فرصة مذهلة في مجال الفلك، إذ وقع الاختيار على جنوب إفريقيا لاستضافة جزء من مشروع «مصفوفة الكيلومتر المربع». حتى وأنا شاب في مطلع العشرينيات، لا أملك رصيدًا كبيرًا من الخبرة، بدا لي واضحًا لي أن في جعبة جنوب إفريقيا خطة أكبر لدفع قاطرة علم الفلك في ربوع القارة، وأردت أن أكون جزءًا منها. ما من طفلٍ إلا وينطوي في أعماق نفسه على فضولٍ فطريٍّ تجاه الكون. والفلك الراديوي يبحث في أكثر الظواهر الكونية إثارة: من الثقوب السوداء إلى النجوم النيوترونية الدوارة، وصولًا إلى الوهج الهائل الذي أعقب الانفجار العظيم. وعندما تجتمع فرصة دراسة هذا المجال المدهش مع استخدام أكبر المراصد الراديوية في العالم التي تعمل على تشييدها فرق دولية ضخمة، فلا عجب أن تنجذب إليها العقول الشابة الطموحة. وكان هناك أيضًا مخطط شامل لتطوير الفلك الراديوي في إفريقيا.
حصلتُ على منحة من مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي لدراسة الماجستير في الفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء بجامعة كيب تاون، ثم التحقت بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه. بعد ذلك، كان عليَّ أن أتخذ قرارًا مصيريًّا: إما أن أواصل مسيرتي المهنية في الخارج، أو العودة إلى جنوب إفريقيا حيث كان النشاط في المجال في أوجِه. قررتُ العودة. وعملتُ، أول ما عملتُ، باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة كيب تاون عام 2012، وهو العام الذي تقرر فيه تقسيم موقع مشروع «مصفوفة الكيلومتر المربع» بين جنوب إفريقيا وأستراليا، وقد عمَّ الحماس البلاد وأهلها. عند عودتي، كان قسم الفلك في الجامعة قد تضاعف حجمه ثلاث مرات منذ مغادرتي. بعد أن استضافت جنوب إفريقيا كأس العالم لكرة القدم قبل عامين، في 2010، شعرنا نحن الباحثين وكأننا فزنا بكأس العالم للعلوم مع مشروع «مصفوفة الكيلومتر المربع»، وكانت ثقتنا في أنفسنا وقدراتنا لا حد لها.
بعدما أنهيتُ أبحاث ما بعد الدكتوراه الممولة من مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي في جامعة كيب تاون وجامعة رودس في مدينة ماكاندا، قررت الخروج من البيئة الأكاديمية المحمية، التي يكون فيها الباحث تابعًا لأساتذة أكبر منه، وأن أشق طريقي باحثًا مستقلًا. كنتُ متحمسًا لفكرة تأسيس فريق بحثي يساهم في جعل إفريقيا مركزًا لبحوث الفلك.
في عام 2018، انتهى بي المطاف في جامعة بريتوريا لتأسيس مجموعة متخصصة في دراسة علم الفلك الراديوي. بينما أمشي في ممرات الجامعة وأروقتها، كنتُ أحدث نفسي قائلًا: "علينا أن نبدأ من الصفر". لكنني لم أكن وحيدًا تمامًا، فقد كان هناك فريق من كبار موظفي مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي يساندونني.
كيم أنتوني، رئيس برنامج تنمية رأس المال البشري بالمرصد، يُبدي استعدادًا لدعم أي عضو من البرنامج في أي وقت. وقد دعمني البرنامج مجددًا حتى وأنا أستاذ، وأعطاني دَفعةً حقيقية.
وجدتُ طلابًا متميزين في جامعة بريتوريا، وعندما غادرت بعد نحو عامين ونصف، كانت مجموعة الفلك الراديوي تضم عضوي هيئة تدريس وحوالي عشرين طالبًا من طلاب الدراسات العليا. خلال تلك الفترة، شارك الفريق في مشروع «تلسكوب أفق الحدث» الدولي، الذي أنتج أول صورة مباشرة لثقب أسود، كما عمل على بيانات جديدة من «ميركات»، المرصد الراديوي المزوَّد بـ64 هوائيًا، وهو أحد النماذج التي قامت عليها لمشروع «مصفوفة الكيلومتر المربع»، إلى جانب أبحاث أخرى.
عوائد الاستثمار في الطاقات البشرية
أصبح لقارة إفريقيا بصمة في مجال علم الفلك الراديوي، ويومًا بعد يوم، تزداد هذه البصمة وضوحًا. أشرفتُ على طلاب وباحثين من زامبيا وكينيا وبوتسوانا وإسواتيني وغانا، كما ألقيت محاضرات في جنوب إفريقيا وبوتسوانا ضمن برنامج «علم الفلك الراديوي طريقًا إلى التنمية في إفريقيا»، وهو مشروع مشترك بين المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا، يقدم تدريبًا أساسيًا في الفلك لثماني دول إفريقية.
كل ما تحتاج إليه قلة من الأشخاص الذين يجيدون التعامل مع لغات البرمجة وصيغ البيانات المختلفة لتشكيل كتلة حرجة من الباحثين، وحينها يمكنك البدء في إنتاج أبحاث مثيرة. وقد لمستُ في الطلاب والباحثين الأفارقة شغفًا حقيقيًا بالعمل في العلوم القائمة على البيانات، سواء أرادوا أن يصبحوا فلكيين أم لا.
الاهتمام بالفلك يزداد عامًا بعد عام. ففي مؤتمرات أبحاث الدراسات العليا وما بعد الدكتوراه التي ينظمها مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي، والتي تجمع الحاصلين على المنح بعلماء فلك محليين وأجانب، يسود جو من الحماسة والألفة. حضرت أول مؤتمر من هذا النوع عام 2006، وكان الحضور لا يتجاوز بضعة طلاب، أما اليوم فهم يُعَدُّون بالمئات.
في كل عام، يحضر المؤتمر علماء عالميون بارزون، ويُتاح للطلاب لقاؤهم متحررين من القيود الرسمية. أذكر أول مؤتمر حضرتُه وأنا طالب جامعي: كنتُ مندهشًا من كثرة الفلكيين المشهورين هناك، وتبسُّطهم في الحديث عن أفكار علمية كبرى. وقد استفاد مجتمع الطلاب من هذه اللقاءات استفادة مباشرة، سواء بالدخول في علاقات تعاون رسمية، أو بمجرد التعرف إلى أشخاص قد يوفرون لهم فرصة في جامعة مرموقة بالخارج. إنها شبكة قوية، وفائدتها أكبر من مجموع أجزائها.
يمكنني القول إن ازدهار علم الفلك الراديوي في جنوب إفريقيا يعود في جانبٍ منه إلى قدرة قادة المجموعات البحثية على اجتذاب الطلاب من خلال علوم مثيرة ومشروع دولي كبير. كان يمكن أن ينفق مرصد الفلك الراديوي الجنوب إفريقي المبالغ نفسها دون أن يحقق كل هذه النتائج.
عدت إلى حيث بدأت: إلى برنامج تنمية رأس المال البشري، لكن هذه المرة بصفتي أستاذًا ومديرًا لمركز ويتس للفيزياء الفلكية في جوهانسبرج، ومشرفًا على عشرة طلاب دكتوراه سيقدّمون أطروحاتهم نهاية هذا العام. أرى طلابًا من خلفيات مهمَّشة قرروا أن يتبعوا شغفهم الحقيقي، رغم أن في مقدورهم الحصول على رواتب أكبر في القطاع الخاص. وموقفهم هذا يُكمل الصورة بالنسبة لي.
* هذه ترجمة المقال الإنجليزي المنشور بمجلة Nature بتاريخ 14 يوليو 2025.
doi:10.1038/nmiddleeast.2025.135
تواصل معنا: