مقالات
Commentary

Read this in English

حالة فيروس زيكا في المنطقة.. بين الأمل وغياب الاستعداد

Published online 20 مارس 2016

إذ يترك فيروس زيكا أثرَه في الأمريكتين، ما مخاطر تمكنّه من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

جون هـ. همفري، مارشال ج. جليسبي، وليث ج. أبو ردّاد

زاعجة مصرية أنثى تطير مبتعدةً عن سطح جلد مضيفها.
زاعجة مصرية أنثى تطير مبتعدةً عن سطح جلد مضيفها.
© James Gathany

يُعَدُّ وباء فيروس زيكا أحدثَ مُدخَلات القائمة المتزايدة من فاشيات الأمراض المعدية المثيرة للقلق العالمي. وكما هو حال الفيروسات المسببة لحمى الضنك والحمى الصفراء، ينتمي فيروس زيكا إلى عائلة الفيروسات المُصفِّرة، وينتقل إلى الإنسان عن طريق لدغة بعوضة الزاعجة المصرية Aedes aegypti المصابة بالعدوى.

منذ ظهورها في جزيرة الفصح (جزيرة القيامة) في المحيط الهادي قبالة ساحل تشيلي في فبراير عام 2014، انتقل الفيروس عبر الأمريكتين وبدأ الآن ينتشر خارجهما. وعلى الرغم من أن الشرق الأوسط ليس الموطن المثالي للزاعجة المصرية، إلا أن الموقع الجغرافي للمنطقة والقدرة النظامية المحدودة للتجاوب السريع تجاه التهديدات الفيروسية، يوجب أن تكون السلطات الصحية في حالة تأهُّب.

اعتبارًا من مطلع هذا الشهر (مارس 2016)، سُجِّل انتقال الفيروس محلِّيًّا في 31 بلدًا وإقليمًا في الأمريكتين، وفي جزر المحيط الهادي، وفي الرأس الأخضر بالقرب من ساحل غرب أفريقيا، وفي الجابون، وعدة بلدان في جنوب شرق آسيا. في الأمريكتين وحدهما، تتوقع منظمة الصحة العالمية أن تسبب الفاشيّة 3- 4 ملايين إصابة خلال العام المقبل. 

من الناحية السريرية، لا يُبدي مرضى فيروس زيكا أي أعراض، وتقتصر تلك التي تظهر على الحمى والطفح الجلدي، وآلام المفاصل، والتهاب الملتحمة، وتستمر عادةً بين بضعة أيام وأسبوع. هذه الأعراض غير نوعية، وهي تنجم عن عدد من الفيروسات المنقولة بواسطة البعوض ومن ضمنها الضنك.

وتتعافى الغالبية العظمى من المصابين بلا مشاكل.

ولكن ما يثير القلق الأكبر مع زيكا الآن، هو صلته الممكنة بأكثر من 5000 حالة مبلَغ عنها من صغر الرأس الخِلقي، ومئات الحالات الجديدة من متلازمة غيلان- باريه (GBS) في المنطقة.

صغر الرأس هو اضطراب في النمو العصبي قد يكون خطرًا، يصيب الرضّع، ويعرّف بأنه صِغَر غير طبيعي في محيط الرأس. وكثيرًا ما يشير هذا إلى نقص في نمو الدماغ أو تشوُّهه، وهو ما يحمل بدوره إمكان إعاقة النمو مدى الحياة.

من ناحية أخرى، تصيب متلازمة غيلان– باريه البالغين عادة. في هذه الحالة، قد تحفّز عدوى فيروس زيكا الجهاز المناعي في الجسم لمهاجمة الجهاز العصبي، مسببةً شللًا مؤقتًا قد يعوق القدرة على التنفس. على الرغم من أنها تستمر في المعتاد بضعة أسابيع أو أشهر، إلا أنها أدت إلى وفاة ما يقرب من 5٪ من الأفراد المصابين بمتلازمة غيلان– باريه فيما مضى.

في 1 فبراير 2016، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميًّا اندلاع فاشية فيروس زيكا حالة طوارئ صحية عامة ذات أهمية دولية، داعيةً إلى زيادة سريعة في مستوى الجهود البحثية المبذولة من أجل فهم أسباب الحالات العديدة من صغر الرأس وحالات متلازمة غيلان باريه وعلاقتهما المفترضة بفيروس زيكا. وقد أوصت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها النساء الحوامل بتجنُّب السفر إلى البلدان المتضررة، واتخذت العديد من بلدان أمريكا اللاتينية خطوة غير اعتيادية بتوصية النساء بتأجيل الحمل مدةً تصل إلى سنتين؛ للحدّ من إمكان حدوث مضاعفات على الأجنّة.

وفي ظل غياب لقاح أو علاج فعَّال لعدوى فيروس زيكا، تتمحور السيطرة على الفاشية حاليًّا حول تقليل أعداد البعوض بواسطة المبيدات الحشرية، والتخلّص من المياه الراكدة التي يتكاثر فيها البعوض. وهي مهمة شاقة؛ نظرًا لتكيّف البعوض في البيئات الحضرية وقدرته على التكاثر في حاويات المياه التي لا يزيد حجمها عن غطاء زجاجة.

فيروس زيكا وآثاره على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أماكن وجود الزاعجة المصرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ التسعينيات.
أماكن وجود الزاعجة المصرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ التسعينيات.
© John Humphrey  Enlarge image

خلافًا لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، التي يعتمد انتقالها على الاتصال الوثيق مع الإبل أو الإنسان المصاب بالعدوى، فإن فيروس زيكا ينتقل بشكل رئيسي عن طريق لدغة الزاعجة المصابة.

وهكذا، يُعَدُّ التوزُّع الجغرافي للزاعجة المصرية في المنطقة مفتاحَ توقّع توزُّع الفيروسات التي تنقلها، ومن ضمنها فيروس الضنك، شيكونغونيا، والحمى الصفراء (انظر الخريطة).

وبدوره، يعتمد توزع الزاعجة على مجموعة من العوامل البيئية التي تشمل درجة الحرارة وهطول الأمطار، مما يجعل قسمًا كبيرًا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غيرَ ملائم لاستيطان الزاعجة.

ومع ذلك، تُثبِت بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنها متزايدة القدرة في المحافظة على انتقال الفيروس الذي يحمله البعوض.

فقد أُبلغ عن عدة فاشيات من حمى الضنك على امتداد سواحل البحر الأحمر في كل من السودان وجيبوتي والصومال واليمن والمملكة العربية السعودية.

في المملكة العربية السعودية، وصلت العدوى بحمى الضنك إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق في عام 2013، مع أكثر من 4,400 إصابة مُبلغ عنها. كما ارتفع عدد حالات حمى الضنك في اليمن، مع أكثر من 3000 حالة حدثت في صيف عام 2015، وقد ساعدت الأزمة الإنسانية المستمرة في البلاد، وانهيار البنية التحتية للصحة العامة على انتشار الفيروس.

في عام 2011، تسبب تفشي فيروس شيكونغونيا -الذي انطلق في اليمن والمملكة العربية السعودية- في القضاء على حياة أكثر من 15,000 حالة مشتبه فيها. وكانت هذه الفاشية هي أول انتقال محلي يسجّل على الإطلاق لفيروس شيكونغونيا في شبه الجزيرة العربية، ولكن من غير المرجح أن يكون الأخير.

وفي مصر، أُبلغ عن انتقال واسع النطاق لحمى الضنك، استمر سنوات قبل أن تؤدي الحملات واسعة النطاق لاستعمال المبيدات الحشرية في أربعينيات القرن الماضي إلى خفض أعداد مجموعات الزاعجة المصرية. وقد عادت حمى الضنك إلى الظهور في أكتوبر عام 2015، في فاشية قادتها الزاعجة المصرية على امتداد نهر النيل في صعيد مصر، وأسفرت عن إصابة 253 حالة. حتى الحمى الصفراء، الفيروس الوحيد الذي تنقله الزاعجة ويتوفر له لقاح مجاز، عاودت الارتفاع في السودان. وفي عام 2012، أُعلن أن الفاشية التي حدثت في دارفور كانت الأسوأ في العالم منذ عقود.

ولزيادة الأمور سوءًا، فالعديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا -البلدان المتضررة من الفيروسات المنقولة بواسطة الزاعجة- تُعدّ بين الأكثر فقرًا في المنطقة، والأقل جاهزيةً للتعرُّف على الفاشيات والاستجابة السريعة لها عند حدوثها، ولتوفير الرعاية الصحية الكافية للمرضى. كما أن نظم الرعاية الصحية الخاصة بها محدودة الموارد وشديدة التأزُّم بالفعل.

في 28 يناير، قال المدير العام المساعد لمنظمة الصحة العالمية: "إنه يتعيَّن على أي بلد يوجد ضمن حزام حمى الضنك ولديه الزاعجة المصرية أن يبحث ما إذا كان فيه إصابات بفيروس زيكا، وأن يضع تدابير لتحري وجود الحالات العصبية".

إن إمكانية وجود الإصابات واردة بلا شك في البلدان المحيطة بالبحر الأحمر التي تستوطن فيها الزاعجة (انظر الشكل، منطقة الخطر 1) وباكستان (منطقة الخطر 2).

على أي حال، فإن انخفاض حجم المسافرين القادمين من الدول الموبوءة بفيروس زيكا، وقصر مدة تفيرُس الدم (أي فترة الإعداء، القدرة على العدوى) البالغة عادة 3- 5 أيام، يجعل إدخال فيروس زيكا في مناطق الخطورة هذه صعبًا.

ومع ذلك، فقد أُبلغ عن حالات بين مسافرين عائدين إلى الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والصين، وجنوب أفريقيا في الأسابيع الأخيرة، وملايين الناس من جميع أنحاء العالم الذين سيتجمعون في مكة المكرمة للحج سبتمبر القادم، فإن منطقة تستوطن فيها الزاعجة المصرية ولها تاريخ من فاشية حمى الضنك، تثير قلقًا حقيقيًّا.

في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تظل مراقبة حالات العدوى المنقولة بناقل -مثل حمى الضنك وشيكونغونيا- محدودة، ويظل توزُّع الزاعجة المصرية غيرَ موصوف بشكل كافٍ.

وهكذا تحمل قصة فيروس زيكا درسًا مهمًّا للمنطقة: فحالات العدوى المنقولة الناشئة تمثّل تهديدًا قائمًا للبلدان التي تستوطن فيها الزاعجة، والحاجة إلى تحليل توزّع الزاعجة المصرية ومنعها من الانتشار في جميع أنحاء المنطقة لم تكن قَط أكثر إلحاحًا.

جون همفري، زميل في قسم الأمراض المعدية في كلية طب وايل كورنيل، جامعة كورنيل. مارشال جليسبي، أستاذ الطب في كلية طب وايل كورنيل، جامعة كورنيل. ليث أبو ردّاد، أستاذ مشارك في السياسات الصحية والبحوث في كلية طب وايل كورنيل- قطر، وجامعة كورنيل.

استند هذا التعليق إلى العمل البحثي الذي قاده جون همفري، بدعم من معاهد الصحة الوطنية، من خلال منحة للبحوث والتدريب تحمل الرقم T32 AI007613.

doi:10.1038/nmiddleeast.2016.36