مقالات

Read this in English

الباحثون المصريون ينددون بـ’الرقابة الأمنية‘

Published online 30 سبتمبر 2016

يعتقد كثير من الباحثين أنهم يخسرون مزيدًا من الحريات الأكاديمية القليلة التي تمتعوا بها سابقًا.

نادية العوضي

© Tarek Wajeh/NurPhoto/ZUMAPRESS.com/Alamy Live News

في نهاية عام 2015، تلقّت الباحثة المصرية خلود صابر رسالة إلكترونية من جامعة القاهرة تفيدها بإنهاء منحتها الدراسية في الخارج. ومررت الرسالة قرارًا صادرًا عن إدارة الأمن واستطلاع المعلومات، وهي مكتب تابع لوزارة التعليم العالي في مصر.

كانت ’صابر‘ في بلجيكا، بعد حصولها على منحة دراسية من جامعة لوفين لإعداد دراستها لنيل الدكتوراة عن الناجيات من العنف الجنسي.

قبل عدة شهور، كانت قد استخرجت كل الموافقات اللازمة من جامعة القاهرة لدراستها في الخارج. في فبراير 2016، وبعد الكثير من الاهتمام في وسائل الإعلام المصرية، أُبلِغت ’صابر‘ أن رئيس جامعة القاهرة قد تدخل أخيرًا، للسماح لها بمواصلة دراستها في بلجيكا.

من القليل النادر أن تشير الجامعات الحكومية الإقليمية إلى الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات على مواقعها الإلكترونية، بالإضافة إلى أن المعلومات المتاحة كثيرًا ما تكون مبهمة.

ويبلغ موقع جامعة المنصورة أعضاء هيئة التدريس فيها عن وجوب حصولهم على موافقة من هذه الإدارة لاتفاقيات الأبحاث الثنائية مع "الجامعات العربية أو الأجنبية".

ويفيد موقع جامعة كفر الشيخ بأن قسم الدراسات العليا والبحث العلمي هو المسؤول عن الحصول على الموافقات الأمنية من إدارة الاستطلاع والمعلومات فيما يختص بسفر طلاب الدراسات العليا والمشرفين على أطروحاتهم داخل البلاد أو خارجها. 

"سيستفيد المجتمع من تحطيم التابوهات، وهذه هي الطريقة التي تتقدم بها المعرفة".

أما موقع جامعة دمنهور فيستفيض في ذكر المزيد من التفاصيل على صفحة تصف أدوار مدير الأمن فيها داخل الجامعة.

وفقًا لهذه الصفحة، فإن مدير الأمن في الجامعة هو المسؤول عن الإحالة إلى إدارة الاستطلاع والمعلومات من أجل رأيها الأمني المتعلق بعدة مسائل. وهذه تشمل تعيين أعضاء هيئة التدريس، والسفر إلى الخارج، ويدخل ضمنها ترددهم على السفارات الأجنبية، أو القَبول لدراسة اللغات في المدارس والمعاهد الأجنبية.

وأحد أدواره أيضًا "توجيه الأفراد الموفَدين إلى الخارج في مهام رسمية أو منح دراسية للتصرف بإزاء محاولات العدو الحصولَ على معلومات منهم عن مهمتهم، وتجنيدهم لأغراض التجسس".

ولم يتسنَّ الوصول الى وزارة التعليم العالي للحصول على تعليق.

"لماذا يتعين على الجامعات أن تعود إلى الحكومة أساسًا؟"، يتساءل عالم الرياضيات في جامعة القاهرة هاني الحسيني، وهو أيضًا عضو بارز في حركة 9 مارس المطالبة باستقلال الجامعات، التي تأسست في عام 2003. "الحكومة ليست جزءًا من الجامعة أو إدارتها".

يعتقد جمال عيد -المحامي المختص بحقوق الإنسان- أن الحكومة الحالية "تحاول تقييد جميع مجالات الحياة العامة، ومن ضمنها الجامعات... تمامًا كما تفعل من خلال إغلاق المؤسسات الثقافية، أو ما تفعله مع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام".

ويمثّل عيد في الوقت الراهن اثنين من الباحثين المعتقلين، هما هشام جعفر وإسماعيل الإسكندراني، من بين جهات أخرى يمثلها.

جعفر، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية، متهم بالانتماء إلى جماعة محظورة، وقبول رشاوى من جهات أجنبية مقابل الحصول على معلومات. ولكن المحامي يعتقد أن السبب الحقيقي هو ميثاق بحثي مشترك أعده جعفر بالتعاون مع أحزاب سياسية وأفراد في مصر، يقدّم المبادئ التوجيهية المتعلقة بالسلوك الأخلاقي في المجال السياسي، جرى إعداده دون إشراك الجهاز الأمني في مصر.

إسماعيل الإسكندراني محلّل للتطرف الإسلامي في شبه جزيرة سيناء. ويرى عيد أنه اعتُقل لأنه وضع روايات بديلة للاستراتيجيات الحالية للدولة في التعامل مع التطرف في سيناء.

"تتجلى قيمة الحرية الأكاديمية في قدرتها على حماية الناس الذين يتصدون للروايات العادية، المنطق الطبيعي المسموح بتلقيه"، وفق قول خالد فهمي، الأستاذ الزائر لدراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد. "الفلسفة وراء ذلك هو أن المجتمع سيستفيد... من تحطيم التابوهات، وهكذا تتقدم المعرفة".

ويبدو أن الباحثين في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية هم الفئة الأكثر تضررًا من القيود الأمنية. ويعتقد خالد فهمي، أن إحدى المشكلات عدم استيعاب مفهوم تجميع المعرفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية وإنتاجها. "[ثمة] ريبة متأصلة في المعرفة عندما يتعلق الأمر بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وخاصة إذا قُدّمت من قِبَل الأجانب"، وفق قوله.

ويمثل العمل الميداني تحديًا، خاصة بالنسبة لعلماء الاجتماع. تأسس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) عام 1964، ويشير البند العاشر من قرار إنشاء وتنظيم الجهاز إلى أنه "لا يجوز لأية وزارة أو هيئة أو جهة أو أي فرد من أفراد الحكومة أو القطاع العام أو القطاع الخاص أن ينشر بأي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام أي مطبوعات أو نتائج أو بيانات أو معلومات إحصائية إلا من واقع إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. أما الإحصاءات الغير مقررة ضمن برامج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فلا يجوز نشرها إلا بموافقة الجهاز".

يستغرق الحصول على الموافقات شهورًا، استنادًا إلى قول خلود صابر.

ويواجه الباحثون في العلوم الطبيعية مشكلات أيضًا، وفقًا للحسينى، عالِم الرياضيات في جامعة القاهرة. الحكومة وممثلوها المعيَّنون في الجامعة يقيِّدون عملهم عن طريق التحكم بتمويل مشاريعهم البحثية، وفق قوله.

وكثيرًا ما يتجنب الباحثون المصريون والمشرفون عليهم أيضًا الموضوعات التي يشعرون أنها قد تكون مثيرة للجدل، كما تشرح صابر. وكثيرًا ما يتحاشون المشاريع التي تتطلب عملًا ميدانيًّا؛ لتجنُّب الإجراءات الطويلة للحصول على موافقة الجهاز، كما تقول، مما يخلق ثقافة الرقابة الذاتية.

ويعتقد فهمي أن الحل لا يكمن في إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية في البلاد بقدر ما يتمثل في إيجاد قوة موازية: دفعة للحريات الأكاديمية من قِبل الأكاديميين أنفسهم.

"خدمات الأمن... يجب أن تؤدي عملها"، كما يقول. "يجب أن تتركز طاقاتنا على مساعدة تلك الدائرة من الأكاديميين والصحفيين والكُتَّاب الذين يؤمنون بقيمة حرية التعبير [عن طريق] التدريب والمساعدة القانونية والمعلومات وشبكات العمل".

ويقول الحسينى إن أحد أسباب خفوت حماس الأكاديميين في الدفاع عن حريتهم هو غياب الوعي حول قيمة الاستقلال الأكاديمي بداية. ولكن هذا الوضع يتغير، كما يقول.

الآن، يدرك العديد من الأكاديميين أن الحكومة تموّل الجامعات من أموال دافعي الضرائب، وأن إدارة الجامعة يجب أن تكون مسؤولة عن مراقبة نفقاتها.

وهذا الفهم، وفق قوله، لم يدفع الأكاديميين للدفاع عن استقلالهم؛ لأنهم يتخوفون من إمكانية مواجهة السُّلطات وأجهزة الأمن.

doi:10.1038/nmiddleeast.2016.166