مقالات

إمارة صغيرة تحمل خططًا لصورة كبيرة

Published online 2 أبريل 2014

محمد يحيى


في عام 2006، أعلنت قطر عن خططها بالوصول إلى إنفاق 2.8٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على العلوم سنويًّا، وهي نسبة أكبر من مثيلاتها في أي دولة عربية أخرى. ومنذ ذلك الحين دأبت البلاد على صقل أهداف أبحاثها لتلبية احتياجاتها وتحدِّياتها.

في نوفمبر 2013، أعلنت مؤسسة قطر (QF) أن البلاد ستوجه أنشطتها البحثية وتمويلها نحو ثلاثة تحديات رئيسية، هي: الأمن المائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني.

نيتشر مِدِل إيست حاورت توماس زخَريا -نائب الرئيس التنفيذي للأبحاث والتنمية في مؤسسة قطر- حول الرؤية الجديدة في البلاد، وكيف تأمل في اجتذاب الباحثين الدوليين في أثناء تطوير قدرات العلم المحلية.

أخبرنا المزيد عن الاستراتيجية العلمية الجديدة لمؤسسة قطر.

أعتقد أنها صقلٌ أكثر منها خطة بحث. كانت هناك خطة بالفعل لهذه المؤسسة، ولكن من أجل المتابعة الحقيقية للأبحاث ذات المستوى العالمي، فإن مسؤولية إنفاق موارد البلاد لتحقيق هدفٍ ما تتطلب المزيد من الاستراتيجية وإطار عمل.

لذا، في عام 2013، بنينا استنادًا إلى منتدى البحوث الوطني والاستراتيجية الوطنية مما كان لدينا. كانت الأبحاث الجيدة جدا موجودة بالفعل، ولكننا شعرنا أن ثمة عدم ارتباط بين طموحات تنويع الاقتصاد مع نطاق البحث وحجمه. أعدنا تعديل النطاق والحجم، كما ركزنا البحوث بطريقة معينة لتحقيق هذه الأهداف.

هل تقصد أن التوجه الرئيسي للتغيير هو جعل البحث أكثر تركيزًا على قطر والمشكلات التي فيها؟

الفرق الكبير هو أن مجموعات المشكلات قد حُدّدت على أساس احتياجات قطر. ومع ذلك، إذا نظرت إلى التحديات الكبرى، فسيكون من الصعب القول بأنها ليست نفس مشكلات المنطقة والعالم بأسره.

حاولنا خلق المعرفة بغرض ونيّة حل المشكلات الحقيقية التي يواجهها هذا البلد، بل التي تواجهها هذه المنطقة. ولكن مع نية إنجاز هذا الأمر، ستحقق قطر قفزة إلى الأمام في بعض مجالات التكنولوجيا، وسيتنوع الاقتصاد فيها.

هل تحاول بناء مؤسسة مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) في المملكة العربية السعودية؟

هناك تعاون وتشابه كبيران، ولكن هناك أيضا اختلافات جوهرية بين جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ومؤسسة قطر. تحاول جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية –برأيي- بناء جامعة بحثية كبيرة للمملكة العربية السعودية والمنطقة، وهذا أمر رائع. لماذا؟ لأننا بحاجة إلى طلاب الدراسات العليا والدكتوراه الذين سيتخرجون منها للقدوم والعمل معنا في قطر، وسنقدم لهم الوعود المثيرة للاهتمام، والبحوث العظيمة، والبنية التحتية المتميزة.

والفرق هو أن مؤسسة قطر تسعى لبناء بحثنا من حيث المؤسسات. إنها أكثر من جامعة، إنها جزء مركزي من تحرك البلاد إلى الأمام. بالطبع هناك أنشطة بحثية مستمرة، وهناك فروع جامعية، وهناك حرم جامعة قطر، وجامعة حمد بن خليفة، إلخ. إن مؤسسة قطر، ككل، هي حجر الزاوية الذي يحاول دفع البلاد إلى الأمام. لذا، من هذه الناحية، هي أكثر بكثير من كيان مشارك.

ما مدى نجاح مؤسسة قطر حتى الآن في تحقيق طموحاتها لبناء ثقافة العلم؟

إننا في رحلة، لذا يجب أن نكون شديدي الحذر للتأكد من أننا نمنح الوقت الكافي لتطوير هذه الثقافة. إن الأمر يستغرق عشرات السنين، لذا فإن كل ما يسعنا القيام به هو وضع بعض المؤشرات على ما إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح. أحد المؤشرات هو بالطبع الالتزام الذي يظهره البلد من حيث تهيئة البنية التحتية اللازمة، ولكن المؤشر الآخر المهم هو نوع المواهب التي نجتذبها.

إننا نريد أن تتوفر لدينا القدرة على المنافسة عالميا من حيث توظيف الناس، ولكننا لا نريد أن يكون الدافع للقدوم إلى قطر مادّيًّا فقط. إننا نريد من الناس أن تأتي إلى هنا بسبب أهمية مجموعات المشكلات، وتوفّر البنية الأساسية للبحث، وزملاء البحوث الذين سيعملون معهم من الروّاد عالميا، وهناك بيئة نابضة بالحياة للعيش فيها.

وقد سألت العديد من الناس الذين قدموا عن دوافعهم، وهم يؤمنون برؤيتنا. كما بدأوا يرون ثمار الاستثمار الأولي؛ فالجامعات أصبحت أكثر نشاطًا في البحوث، وهي بالتالي تجتذب طواقم تدريسية مهتمة بالأبحاث المكثفة، وهو ما يعني أن هناك تعليمًا، وسيكون لديهم طلاب دراسات عليا. أي أن هناك تغيرًا ثقافيًّا في الجامعة وفي معاهد البحوث أيضا، إننا نجتذب أناسًا من الطراز العالمي حقًّا.

خلال خمس سنوات أو عشر، سنعرف على وجه اليقين مع المضي في الطريق متى سنكون قد حللنا المشكلات الأساسية. ولكن حتى لو نظرت [إليها الآن]، فبراءات الاختراع والمنشورات تتزايد. لذا هل هناك أهداف تحققت بالمطلق؟ لا، ولكن هناك نوعًا من النقاط المبهمة على امتداد الطريق لمعرفة ما إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح.

كنت قد تحدثت عن استقطاب الخبرات ذات المستوى العالمي، ولكن ماذا عن الخبرة المعدّة محليا؟

اليوم، لا ننتج أعدادًا كافية من طلبة الدكتوراه، وكان أحد الأمور التي قمنا بها هو النظر إلى أفضل الممارسات. إن تكثيف جامعة قطر بشكل أكيد لبرامج الدراسات العليا ورعاية البحث العلمي هو ما يجعل تمويل طلبة الدكتوراه وزملاء ما بعد التخرج ذا أولوية كبيرة. سنسعى لسؤال كل عرض يصل إلينا: "ما الذي ستقومون به لدعم طلاب الدراسات العليا؟"– لذا نحن بصدد إضافة الحوافز إلى النظام.

ولكن هناك نماذج أخرى أيضًا لصناعة المواهب، المواهب النامية محليّا. إذا نظرت إلى ماكس بلانك، فستجد أن جميع المعاهد التابعة لها فيها برامج دكتوراه تعيّن الطلاب مباشرة في معاهد ماكس بلانك. إنهم يجرون أبحاثهم داخل مختبرات ماكس بلانك، ولكنهم يحصلون على درجاتهم من جامعة محلية. وقد أعلنت مؤسسة قطر برنامج مؤسسة قطر للدكتوراه؛ حيث وضعنا هدفًا هو ألف درجة دكتوراه خلال خمس الى سبع سنوات قادمة، وسيتم تعيينهم مباشرة في مختبرات الأبحاث في معاهدنا. سيحصلون على درجاتهم، لا من جامعة خليفة بن محمد، أو جامعة قطر، أو بعض الفروع الجامعية فحسب، بل من بعض الجامعات العالمية أيضًا.

من المهم أيضًا تنمية المواهب المحلية بطريقة أكثر منهجية. وفي نهاية الأمر، نسعى لأن يكون لدى مؤسسة قطر أغلبية سليمة من المواهب المولودة محليا. إذا تمكنَّا من تعيين 40 موهبة محلية سنويا، فخلال 15 سنة ستكون غالبية باحثينا قد ولدت في قطر.

لذا، بدأنا التفكير فعلا في سبل تحديد المواهب الشابة المولودة محليا، والبحث عن الاهتمام بالعلم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ربما جعل باحثي مؤسسة قطر يتطوعون بوقتهم، وربما إنشاء مدارس جاذبة تركّز على العلم. علينا أن نفعل أشياء كثيرة بشكل منهجي لتنمية هذه المواهب. لن نتمكن من إنجاز ذلك في يوم واحد، ولن يتحقق هذا بأمر واحد. عليك أن تفعل كل الأمور المختلفة لإنجاحه.

هل تحوّل الخطة البحثية الجديدة لمؤسسة قطر تركيز التمويل من البحوث الأساسية إلى البحوث التطبيقية؟

لا يمكنك ببساطة إجراء البحوث التطبيقية دون الدعامة الأساسية، والبحوث الأساسية الخالية من المضمون لن تعدو كونها مجرد جولة في المجهول. قد تفعل أشياء عظيمة، ولكنك بحاجة الى القيام بشيء ذي مضمون. لذلك أعتقد أن الفرق الوحيد هو أننا سنجري البحوث الأساسية والتطبيقية والبحوث المتعددة في سياق إيجاد حلول للمشكلات الحقيقية. يجب أن تكون السلسلة متكاملة.

عندما يتعلق الأمر بمؤسستنا، نعطي مديري المؤسسة الصلاحيات التي تمكنهم من إيجاد التوازن بين البحوث الأساسية والتطبيقية. كل ما نحاول القيام به هو محاسبتهم على الغايات والأهداف التي يضعونها لأنفسهم. والأنواع المختلفة من المشكلات سيكون لها توازنات مختلفة، وهي بالضرورة تحقيق الأهداف، ولكني بالتأكيد أرى أننا سنجري أبحاثا أساسية جدا مثل أبحاث الخلايا الجذعية.

هذا هو المكان الوحيد الذي أعرفه وتجد فيه تحت سقف واحد مؤسسة للتمويل، والمؤسسات الوطنية، وواحة العلوم والتكنولوجيا، حيث يمكنك أيضا احتضان الشركات. إنه في الواقع حالة فريدة من نوعها.

هل نقوم بهذا على النحو الأمثل؟ يمكننا دومًا أن نفعل ما هو أفضل.

لذلك لا يمكنني بالتأكيد أن أتوقع توقف البحوث الممتازة في قطر؛ لأنك في العلم لا يمكنك حقا معرفة متى يحدث الاكتشاف الكبير. وفي عدة مرات يأتي اكتشاف على صلة بقطر من متابعة أمر مختلف تماما. لذا عليك أن تعطي الناس المرونة إتاحة للإبداع.

يجب عدم إساءة فهم التركيز كمقيد الإبداع؛ فهو يعني ببساطة أنك -في نهاية المطاف- بحاجة لهدف من نوع ما. هل كان الذهاب إلى القمر بحثا تطبيقيا؟ قطعا لا. ولكن كان له هدف، كان له غرض. إننا بحاجة الى هدف أكبر من أنفسنا. إننا بحاجة إلى أن يكون لدينا حس تاريخي. أنا أعلم أن التاريخ سيحكم علينا، لذلك علينا أن نفعل كل ما في وسعنا للتأكد من أن التاريخ سيكون لطيفًا في حكمه علينا.

doi:10.1038/nmiddleeast.2014.83