مقالات

السعي وراء الخلـــــــود: هل يتمكن العلـــم من تحقيقـــــه؟

Published online 20 يناير 2014

تشير النتائج الحديثة نحو إمكانية إعادة السنوات إلى الوراء في المختبر، ولكن هذا لن يحدث في وقت قريب، وفق قول سامح علي.

سامح علي


سامح علي
سامح علي

على مدى التاريخ، كانت رغبة الإنسان في قهر الموت والمحافظة على الشباب الأبدي هي الدافع إلى السعي وراء حلول لا تُصدّق، من إكسير الحياة وحجر الفلاسفة في العصور المظلمة، إلى الكريمات المضادة للشيخوخة والمكمّلات الصحية المشكوك فيها في العصر الحديث. ولكن آمال الساعين وراء الخلود ليست زائفة بمجملها، وربما تمكّن العلم من إعطاء بعض الإجابات.

تشير النتائج الحديثة إلى أن أعمار بعض حيوانات المختبر يمكن أن تطول بالفعل بمساعدة بعض العوامل، كتحديد السعرات الحرارية المتناولة لدى بعض القوارض، أو استخدام الأدوية لتقليد التأثير نفسه على الجسم2،3.

بالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسة حديثة تقارن الأنماط الديموغرافية الموحّدة عبر 46 نوعا، ونُشرت في "نيتشر" هذا الشهر، أن بعض الحيوانات تقاوم التوجه نحو الموت مع إطالة العمر.

هذه الأنواع، كسرطان البحر الناسك، وأذن البحر الأحمر، والهيدرا، على سبيل المثال لا الحصر، يمكنها أن تعيش عدة قرون، متحدية الفكرة القائلة بأن التطور يؤدي حتما إلى الشيخوخة، حسبما يرى أوين جونز، المختص بعلم الأحياء في جامعة جنوب الدنمارك في أودنسه، الذي قاد الدراسة. فالشيخوخة -استنادا إلى هال كاسويل، مؤلف الدراسة المشارك، وعالم الرياضيات البيئية في معهد وودز هول لعلوم المحيطات- هي زيادة في احتمالات الموت مع تقدم العمر، "تراجع في القدرة على التعامل مع مخاطر الوفاة، بغضّ النظر عن مصدرها".

ولكن ترجمة البيانات المستقاة من مصادر حيوانية على البشر، يعوقها فهمنا غير الكامل لعملية الشيخوخة، وعدم توفّر نظرية شاملة تفسرها.

عندما ترأس ليونارد هايفلِك -أستاذ التشريح في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو- سلسلة من الاجتماعات، في محاولة لتعريف المصطلحات الشائعة في هذا المجال؛ كتب أن "الخبراء الذين تجاوز عددهم العشرة ممن حضروا هذه الاجتماعات لم يتمكّنوا من التوافق على تعريفٍ لمعظم هذه المصطلحات، بما فيها 'الشيخوخة'. وجرى حلّ اللجنة، ولكن مشكلة التواصل بقيت مستمرة".

نحن بحاجة إلى فهم: كيف ولماذا نشيخ، قبل الخوض في التدخلات المحتملة لمقاومة الشيخوخة. في تعريفها الأكثر عموما، الشيخوخة هي "خلل وظيفي معمم متقدم، يؤدي إلى زيادة سرعة التأثر بالتحديات البيئية، وهي تمثل خطرا متزايدا للمرض والموت".

هناك العديد من النظريات البيولوجية حول سبب تقدمنا في العمر، ويمكنها أن تُصنّف عموما تحت فئتين رئيسيتين: الشيخوخة المبرمجة، أو الضرر التراكمي.

الشيخوخة المبرمجة مقابل الضرر التراكمي

تمثل الحيوانات التي لا تموت بسبب الشيخوخة فرصة هائلة للبحوث.

تدّعي النظريات المختلفة للشيخوخة المبرمجة أن الشيخوخة هي ظاهرة مُبرمَجة وراثيا؛ وأنها مطبوعة في البيان الوراثي الذي يحدّد سلفا عمر الكائن الحي.

على سبيل المثال، وتحت هذه المظلة من النظريات، تنخرط الجينات عديدة المظاهر في كثير من الأمراض المرتبطة بالسن، ومن ضمنها السرطان، والتليّف الكيسي، وفقر الدم المنجلي. أما النظرية المناعية للشيخوخة فتدّعي أن التراجع المبرمج في وظائف المناعة، مثل فقدان فعالية الأجسام المضادة و/ أو اضطراب مستويات السيتوكينات وتراجع قدرتها على السيطرة، من بين أمور أخرى، يؤدي إلى زيادة قابلية التعرّض للأمراض المعدية.

وعلى العكس من ذلك، تعتبِر نظريات الضرر التراكمي أن الشيخوخة هي تراجع وظيفي بسبب تراكم الأضرار العشوائية على اللبنات الأساسية للحياة، التي تتضمن الأغشية الخلوية والحمض النووي(DNA) والبروتينات. كما أنها تربط هذه الظاهرة بمعدلات الاستقلاب. وبشكل عام، للكائن الحيّ ذي معدّل الاستقلاب الأسرع معدّلُ عيشٍ أسرع وعمرٌ أقصر، مع استثناءات قليلة، تشمل الطيور والبشر.

وفقا لدنهام هارمان، الطبيب البارز المتخصص في طب الشيخوخة، فإن أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) -التي هي منتجات ثانوية ضارة تتكون أثناء عملية الاستقلاب- قد تلحق الضرر بالمكونات الأساسية للخلية، وتعطل آليات الإصلاح الذاتي داخل الخلايا. ويؤدي الضرر إلى أخطاء في الترميز، تسبب بدورها حدوث المزيد من الإصابات الخلوية، مما يؤدي في النهاية إلى فشل العضو الحيوي وشيخوخته. لذا، كلما زادت سرعة النشاط الاستقلابي في الكائن الحي، ازدادت حمولة أنواع الأكسجين التفاعلية، مما يؤدي إلى الوفاة المبكرة.

هناك العديد من النظريات الأخرى التي تستند إلى هذه الفكرة. وتقترح النظرية الجسدية أن تلف الحمض النووي -الناتج في الغالب عن ROS- في ميتوكوندريا الخلايا غير المنقسمة، يمكن أن يسبب تلف الخلايا وإنتاج المزيد من ROS، موسّعا بذلك دائرة الضرر. وتقترح نظرية أخرى أن تراكم البروتين والدهون عبر الارتباط المتصالب قد يسبب تصلب الأنسجة ويؤدي إلى الشيخوخة. يسهم الحدّ من السعرات الحرارية المتناولة للحفاظ على مستويات منخفضة من السكر في الدم، في إبطاء تأثير ارتباط البروتين بالغلوكوز، وتشير التقارير إلى أنه يطيل عمر فئران المختبر.

تعقّد الشيخوخة


يمكن لأنثى الحفش -سمك البحيرة– أن تعيش أكثر من 152 سنة.
يمكن لأنثى الحفش -سمك البحيرة– أن تعيش أكثر من 152 سنة.
© Robert Elliott / USFWS

الأمر الواضح بالنسبة لنا هو: أن الشيخوخة عملية متعددة العوامل، تتأثر بالتفاعلات شديدة التعقيد بين العناصر البيولوجية والسلوكية المتعددة. ويكاد عزل بعض العوامل أن يكون مستحيلا.

على سبيل المثال، ووفقا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فالمواد الجامدة التي تتعرض إلى تغيرات حساسة للوقت تصل بالنتيجة إلى حالة من الفوضى الكاملة. يمكن الاستفاضة في تفسير هذا الامر من خلال مفهوم الإنتروبي، أو كما يطلق عليه الفلكي البريطاني آرثر ستانلي إدنجتون اسم "سهم الوقت". عند القياس الديناميكي الحراري لاضطراب مجهري في نظام معزول، فالإنتروبي يعني أن الوقت لا يتناسب وحجم الترتيب في نظام معزول.

على الرغم من أن قيمة الإنتروبي لا تعكس الوقت كميّا، إلا أن استخدامها ممكن لتمييز المستقبل عن الماضي، مثل عمر الكائنات الحية تماما. والشيخوخة البيولوجية، وفقا لهذا المفهوم، ليست سوى زيادة اتجاهية في الاضطرابات الداخلية مع مرور الوقت5.

في نظريات تستند إلى هذا الرأي الحاسم، تصبح الشيخوخة أمرًا حتميًّا ومبرمجًا، وتضحي التدابير المضادة للشيخوخة غير ممكنة.

ولكن هذا لا يعطينا تفسيرا حاسما لوجود الأنواع التي تبدي شيخوخة لا تُذكر، ومنها الحفش -أسماك البحيرات- التي تعيش أكثر من 152 عاما، وسمكة الصخر Rougheye، التي يصل عمرها إلى 205 سنوات، والكركند وفئران الخُلد العارية التي تعيش حتى 28 عاما، دون أن تصاب بالسرطان، والسلحفاة العملاقة المعمّرة، التي يمكن أن تطول حياتها إلى 255 عاما.

هذه الحيوانات تنمو ببطء، وتستغرق وقتا طويلا لتصل إلى مرحلة النضج الجنسي؛ لكي تناسب حياتها الطويلة النظريات التقليدية عن آلية حدوث الشيخوخة. ولكن يبدو أن أعمارها الاستثنائية الطول تنجم عن آليات ترميم عالية الفعالية، قد يكون استنساخ هذه الآليات ممكنا، نظريا على الأقل.

تقترح الدراسة التي قادها جونز، أن تنوع الشيخوخة عبر الأنواع "يتحدى واضعي النظريات لتطوير منظورات أوسع عن تطور الشيخوخة، ومتّبعي المذهب التجريبي لدراسة ديموغرافية أنواع أكثر".

تمثل الحيوانات التي لا تموت بسبب الشيخوخة فرصة هائلة للبحوث؛ ويمكن للعلماء من خلالها تحديد الجينات والعمليات المرتبطة بها والآليات التي يمكنها أن توفّر أول دليل حقيقي على الشيخوخة الحيوية بدلا من التأخير الشيخي للتقدم في العمر.

إن علم الأحياء لا ينتهك قوانين الفيزياء، وبالتالي فإن عملية عكس سهم الوقت الذي أشار إليه إدينجتون تتطلب تطويع الطاقة من النظام الإيكولوجي لمكافحة الميل الطبيعي نحو الفوضى، أي الأمراض والشيخوخة.

يمكن الإشارة إلى أن حالة زيادة الاضطرابات المرتبطة بالشيخوخة تنتج بسبب التراجع التدريجي، الذي تسرعه الاستجابة، في فعالية تنمية الطاقة وتحويلها، وربط الإنتاج بالطلب من قبل كائن حيّ يتقدم بالسن. يوفّر هذا المفهوم نواة محتملة لأرضية مشتركة تستطيع معظم نظريات الشيخوخة أن تجد جذورا لها فيها.

خلال العقود القليلة الماضية، تضاعف متوسط العمر المتوقع للإنسان تقريبا، مما لا يترك مجالا للشك في أننا سنتمكن من تحقيق مكاسب كبيرة أخرى في متوسط عمر الفرد. لقد حققت زيادة متوسط العمر المتوقع، إلى حد كبير، اختراقات في المختبر وما ينتج عنها من تأثيرات على الطريقة التي نعيش بها حياتنا.

ويبقى تمكّن هذه التغييرات من النجاح في إبطاء عملية الشيخوخة أمرا مفتوحا للنقاش، بانتظار بطل معمّر مئوي يحطم الرقم القياسي الحالي البالغ 122 عاما التي عاشتها الفرنسية جين كالمان.

إن البقاء على قيد الحياة هدف مشترك تدور حوله كل الحياة، ولكن يبدو أن السعي نحو الخلود سمة إنسانية بامتياز. وسيستمر السعي وراء الخلود في دفع بحثنا عن ينبوع الشباب الأسطوري. وإلى أن نجده، قد نعثر على الراحة في قول طاغور:

"أفكر في العهود الأخرى التي طافت على جدول الحياة والحب والموت ثم طواها النسيان، فأشعر بالحرية التي يمنحها الرحيل."

- رابندرانات طاغور، 'طيور شاردة'.

doi:10.1038/nmiddleeast.2014.18


  1. Fonatana, L. et al. Extending healthy life span - from yeast to humans. Science (2010) doi:10.1126/science.1172539
  2. Quick, K.L. et al. A carboxyfullerene SOD mimetic improves cognition and extends the lifespan of mice. Neurobiol Aging (2008) doi:10.1016/j.neurobiolaging.2006.09.014
  3. Agarwal B. & Baur JA. Resveratrol and life extension. Ann N Y Acad Sci. (2011) doi:10.1111/j.1749-6632.2010.05850.x
  4. Jones, Owen R. et al. Diversity of ageing across the tree of life. Nature (2013) doi:10.1038/nature12789
  5. Hayflick, L. Entropy explains aging, genetic determinism explains longevity, and undefined terminology explains misunderstanding both. PLoS Genet. 3(12):e220 (2007) | Article |
  6. Kirkwood TB. Understanding the odd science of aging. Cell 120(4): 437-47 (2005).
  7. Harman, D. Aging: a theory based on free radical and radiation chemistry. J Gerontol. 11(3): 298-300 (1956).| Article |
  8. Shimokawa I. & Trindade L.S. Dietary restriction and aging in rodents: a current view on its molecular mechanisms. Aging Dis. 1(2): 89-107 (2010)
  9. Hayflick, L. "Anti-aging" is an oxymoron. J. Gerontol. A. Biol. Sci. Med. Sci. 59(6): B573-8 (2004).| Article |