مقالات

مواجهة مخاطر فيروس نقص المناعة البشرية في العالم العربي

Published online 26 ديسمبر 2013

في حين تُطلَق أحكامٌ قاسية على كل من تعاطي المخدرات والبغاء في المنطقة، فإن الجهود المبذولة للحدّ من مخاطر التعرّض لفيروس نقص المناعة البشرية تعرقلها المخاوف من أن تُفهم برامج درء المخاطر على أنها موافقة ضمنية على السلوكيات الخطرة.

حازم ذهني


أطلقت عدة دول عربية برامج لدرء المخاطر بين متعاطي المخدرات بالحقن.. في محاولة منها للحدّ من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية.
أطلقت عدة دول عربية برامج لدرء المخاطر بين متعاطي المخدرات بالحقن.. في محاولة منها للحدّ من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية.
© Christine Osborne Pictures / Alamy

هناك عرقلة للجهود التي تبذل في العالم العربي للحدّ من انتقال فيروس نقص المناعة البشرية نتيجة لتعاطي المخدرات والدعارة؛ نظرا للاعتراض الأخلاقي على هذه الأنشطة، وخشية أن يعتبر جعلها أكثر أمانا سببا في النظر إليها بوصفها سلوكيات مقبولة.

هل يتعيّن على العاملين في مجال الصحة أن يزوّدوا متعاطي المخدرات حقنا بالإبر المجانية، وأن يعطوا العاملين في مجال الجنس الواقيات الذكرية للحدّ من خطر انتقال فيروس نقص المناعة البشري؟ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) –إحدى منطقتين فقط تستمر معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية فيهما بالارتفاع - تلاقي اقتراحات كهذه درجات متفاوتة من المقاومة.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لبنان والمغرب والأردن وتونس وسوريا فقط تدعم صراحة نهج درء المخاطر بوصفه جزءًا من الاستراتيجيات الرسمية للحد من انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عن طريق استعمال المخدرات. هناك قلق منتشر من أن مثل هذه المبادرات، بإضفائها الأمان بطريقة ما على السلوك، تتغاضى ضمنيا عن الأنشطة غير القانونية أو تشجّعها.

"هناك سوء فهم نحو درء المخاطر يوحي بأنه يعني قبول سلوك ما أو حتى تشجيعه"، كما يقول أليكس سمولاك، مستشار البحوث في مجموعة وبائيات الأمراض المعدية في كلية طب وايل كورنيل في قطر، وشريك بحثي في مركز أبحاث الصحة العالمية في آسيا الوسطى في جامعة كولومبيا.

في حين قد يتقبّل الناس بسهولة تدابير درء المخاطر في الصناعات الغذائية أو المشروبات - حيث تضاف الفلاتر إلى السجائر، أو تُنتَج المشروبات منخفضة السعرات الحرارية – فإن الجهود المماثلة في مجال فيروس نقص المناعة البشرية ما تزال بعيدة كل البعد عن القبول، استنادا إلى سمولاك. "الوصمة المرتبطة بالسلوكيات التي تعرّض لفيروس نقص المناعة البشرية تمنع البعض من أن يكونوا قادرين على التركيز على مسألة الصحة العامة".

توجد خدمات تبادل الإبر (NSP) في المنطقة، ولكن دون أي استراتيجيات على الصعيد الوطني. وهي مموّلة إلى حدّ كبير من قبل المنظمات الدولية، ومنفّذة من قبل المنظمات غير الحكومية التي تعمل مع الفئات المعرضة للخطر، متضمنة متعاطي المخدرات حقنا (PWID)، والعاملات في مجال الجنس، والرجال مثليي الجنس.

فيما يتعلق بمصر، هناك خدمة محدودة تركّز بشكل رئيسي على متعاطي المخدرات حقنا، توزع الإبر والواقيات الذكرية مجانا. ويعد معدل انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في مصر منخفضا إلى حد كبير (أقلّ من 0.02% من عموم السكان)، لكنها ارتفعت بشدة بين متعاطي المخدرات حقنا من 0.6% عام 2006 إلى 6.7% عام 2010( ref).

تقول دعاء عرابي -الاستشارية المستقلة، التي تتمتع بخبرة مكثفة في بحوث فيروس نقص المناعة البشرية في مصر-: إن هذه القفزة الكبيرة تبرّر استهداف متعاطي المخدرات حقنا؛ لدرء المخاطر في مصر. "فور تجاوز [حدّ] 5% [هامش العدوى] ضمن مجموعة معينة، يصبح احتمال التصاعد السريع لمعدّلات الانتقال كبيرا".

في عُمان، رغم عدم وجود برامج رسمية لدرء المخاطر تسهم بتوزيع أدوات الحقن المعقّمة، تُسرَد أدلة عن توزيع حقن على نطاق ضيق وبشكل غير رسمي في المناطق المحيطة بمسقط2.

في البحرين، يتطلب شراء أدوات الحقن المعقّمة وصفة طبية. ومن الشائع ورود تقارير عن اعتقالات على أساس حيازة أدوات المخدرات كالإبر والمحاقن الجديدة. وفي غياب استراتيجية لدرء المخاطر، يُعزى 58% من حالات انتقال فيروس نقص المناعة البشرية في الجزيرة الصغيرة إلى حقن المخدرات وريديا2. وينعكس النقص في المتوفّر من الإبر والمحاقن الجديدة على ارتفاع معدل تشارك الحقن في البلاد، والبالغ 53.4% حسب أحد المسوح، وهو من أعلى المعدّلات في المنطقة.

العلاج البديل

إلى جانب برامج تبادل الإبر والمحاقن، يعد العلاج البديل للأفيونيات (OST) طريقة أخرى لدرء المخاطر تستهدف متعاطي المخدرات حقنا. ويهدف هذا النهج إلى استبدال الأدوية الأفيونية غير المشروعة كالهيروين ببديل بطيء الإطلاق وأقل إحداثا للنشوة، وهو عادة الميثادون، الذي يؤخذ عن طريق الفم تحت إشراف طبي.

وافقت المغرب ولبنان فقط على الجوء إلى بدائل مثل الميثادون والبوبرينورفين كجزء من العلاج البديل للأفيونيات، وحققتا نتائج إيجابية2. وقد وافقت الحكومة العُمانية على برنامج تجريبي بديل للأفيونيات العام الماضي، ولكنها لم تطلقه.

يعد العلاج البديل للأفيونيات نهجا مثيرا للجدل لدرء المخاطر، أكثر من برنامج تبادل الإبر والمحاقن، حتى بين بعض خبراء الصحة العامة. "لم يتّضح بعد ما إذا كانت فوائده تفوق مضارّه، في مصر على الأقل"، وفقا لما تقوله عرابي. لا يتوافر الميثادون بسهولة في مصر، والبعض، مثل عرابي، يخشون أن يقود تراخي القوانين في مصر إلى تفاقم تعاطي المخدرات فقط، في حال توفّره.

قلّة المعلومات

لقد أثر عدم الاستقرار السياسي في المنطقة على كافة برامج التنمية بشكل عام.

تعاني أساليب درء المخاطر في المنطقة بسبب نقص المراقبة وما يترتب عليها من معرفة المناطق التي ستتأثر أكثر من غيرها بهذه الجهود، استنادا إلى قول سمولاك.

في حين يشكل متعاطو المخدرات حقنا الهدف المركزي لاستراتيجيات درء المخاطر ذات الصلة بفيروس نقص المناعة البشرية، إلا أن هناك بيانات محدودة -وكثيرا ما لا يمكن الاعتماد عليها- عن هذه المجموعة وسلوكياتها. فعلى سبيل المثال، من الممكن أن تتراوح تقديرات عدد متعاطي المخدرات حقنا في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متضمنة إسرائيل وإيران، بين 300,000(ref.) ومليون(ref.).

على الرغم من زيادة عدد البلدان التي تجري مراقبة حيوية سلوكية للمجموعات المعرّضة لخطر فيروس نقص المناعة البشرية، فلا تزال مصادر بيانات اختبار فيروس نقص المناعة، وانتشاره، والعلاج المضاد للفيروسات القهقرية (ART) تُسْتَمدّ بدرجة كبيرة من سجلّات الشرطة، وشُعب إزالة السميّة، وسجلّات السجن2. وقد تكون الأرقام المتاحة عرضة لأخطاء منهجية الإبلاغ.

كما أن هناك نقصا في البيانات عن النسبة التي يشكلها متعاطو المخدرات حقنا من متلقّي العلاج المضاد للفيروسات القهقرية. فمثلا، في ليبيا كان هناك قرابة 2,500 شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية يتلقون العلاج المضاد للفيروسات القهقرية مجاناعام 2012. ولكن لا تتوافر بيانات عن عدد متعاطي المخدرات حقنا من بينهم2، على الرغم من أنه كان من المعروف في الماضي، أن تعاطي المخدرات حقنا كان السبب في ما يعادل 90% من حالات انتقال فيروس نقص المناعة البشرية في ليبيا.

السجون

قد تواجه محاولات درء المخاطر ذات الصلة بفيروس نقص المناعة البشرية مقاومة أكبر عندما يُطلب من الدولة تمويل درء المخاطر للأنشطة الموصومة بين المدانين.

إيران هي البلد الوحيد في المنطقة الذي يوفّر خدمات تبادل الإبر أو العلاج البديل للأفيونيات لمتعاطي المخدرات المسجونين، على الرغم من وجود أدّلة على مشاركة أدوات الحقن بشكل اعتيادي في سجون كل من لبنان، والكويت، والأردن2. ومع ذلك، تشير البيانات المحدودة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن أعدادا كبيرة من متعاطي المخدرات حقنا الذين يقضون بعض الوقت في السجن، غالبا ما يستمرون في حقن المخدرات ومشاركة الإبر في أثناء سجنهم، وتضم الأمثلة على هذا كلا من سوريا وعُمان.

ومن أسباب القلق الأخرى وجود أدلة على تحوّل الأفراد الذين لا يتعاطون المخدرات إلى متعاطين لها حقنا في أثناء وجودهم في السجن. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة استقصائية أجريت عام 2011 على نزلاء سجن رومية في لبنان أن 34% منهم بدؤوا باستخدام المخدرات في أثناء سجنهم، و37% منهم كانوا يتلقونها حقنا.

المغرب هو البلد الوحيد في المنطقة الذي يوفر برامج التوعية بفيروس نقص المناعة البشرية للسجناء ومديري السجون، وتخطط البلاد لتقديم العلاج البديل للأفيونيات في سجونها في المستقبل. في ليبيا، أعادت الحكومة في العام الماضي إطلاق مشروع توعية بفيروس نقص المناعة البشرية، بكلفة بلغت 6 ملايين دولار أمريكي، مع التركيز على متعاطي المخدرات حقنا في السجون. وتشمل برامج التوعية إجراء اختبار فيروس نقص المناعة البشرية في السجون، كما تتضمن تدريب النزلاء والموظفين في السجون وتوعيتهم.

التوجهات المستقبلية

هناك إجماع عام في المنطقة على الحاجة لدرء المخاطر، ولكن مع إدراك احتياجها للدعم الشعبي المحلي والمالي. في الوقت الحالي، تعتمد غالبية بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على التمويل الخارجي لما لا يقل عن 50% من الإجراءات التي تتبعها لدرء المخاطر2.

"ومن الصحيح أيضا أن عدم الاستقرار السياسي في المنطقة أثر على جميع برامج التنمية بشكل عام"، استنادا إلى قول عرابي.

يضيف سمولاك أنه في الوقت الذي ستستفيد فيه الصحة العامة من زيادة برامج درء المخاطر لمتعاطي المخدرات حقنا، يجب أن تستهدف المبادرات أيضا العاملات بالجنس، والرجال مثليي الجنس، وهما المجموعتان الأخريان عاليتا المخاطرة للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. وربما كانت هاتان المجوعتان أكثر وصما في المنطقة من متعاطي المخدرات حقنا، وتتلقيان الحدّ الأدنى من التمويل لاستراتيجيات درء المخاطر، باستثناء بعض برامج الحكومات والمنظمات غير الحكومية في لبنان وتونس والجزائر والمغرب، التي تزودهما بالواقيات الذكرية.

وربما ستدمج في المستقبل جهود محو الوصمة عن المجموعات المختلفة مع استراتيجيات درء المخاطر. هناك فيلم مصري حديث، يحمل اسم "أسماء"، يروي بسلاسة القصة الحقيقية لامرأة تكافح فيروس نقص المناعة البشرية، وتستشهد به منظمة درء المخاطر العالمية بوصفه مثالا يحتذى.

"من الممكن أن تقرن الخطوة التالية لدرء المخاطر في المنطقة بين برامج محو الوصمة وبرامج درء المخاطر"، استنادا إلى سمولاك.

doi:10.1038/nmiddleeast.2013.248


  1. WHO, UNAIDS, UNICEF (2011) Global HIV/AIDS Response: Epidemic update and health sector progress towards Universal Access. Geneva: WHO.
  2. The Global State of Harm Reduction: Towards an integrated response 2010. Harm Reduction International.
  3. Oraby, D. Harm reduction approach in Egypt: the insight of injecting drug users. Harm Reduction Journal (2013) doi:10.1186/1477-7517-10-17
  4. UNAIDS (2011) Middle East and North Africa Regional Report on AIDS: 2011. Geneva: UNAIDS
  5. Ministry of Health and UNDP (2006) HIV/AIDS Knowledge Attitudes Behaviors Survey among Bahraini Injecting Drug Users. Manama: Kingdom of Bahrain.
  6. Mathers B. et al. The global epidemiology of injecting drug use and HIV among people who inject drugs: a systematic review. Lancet 372 (9651): 1733-1745 (2008). doi:10.1016/S0140-6736(08)61311-2
  7. Toufiq J. Overview of the Harm Reduction Situation in the Middle East and North Africa in Pates R & Riley D (eds) Harm Reduction in Substance Use and High-Risk Behaviours (2012). Chichester: Wiley Publishers.
  8. UNAIDS (2010) Libyan Arab Jamahiriya UNGASS Country Progress Report, 2010 Geneva: UNAIDS.
  9. Ministry of Health, National AIDS Programme, Syrian Arab Republic (2008) Assessment of HIV risk and sero-prevalence among drug users in Greater Damascus. Damascus: Ministry of Health, National AIDS Programme, Syrian Arab Republic.
  10. MENAHRA (2012) Model Programme: AJEM Tackles IDU Harm Reduction in Prisons, 30 May 2012