مقالات

تقرير يقيّم الحالة العلمية في مصر

Published online 25 يناير 2013

هناك فرص لتعزيز العلوم في مصر، ولكنها لن تكفي وحدها لتحويل مشهد البحوث في البلاد، وفقا لتقرير جديد رفيع المستوى.

محمد يحيى


أصبحت مكتبة الإسكندرية تلعب دوراَ مهماَ في مجال البحوث في مصر.
أصبحت مكتبة الإسكندرية تلعب دوراَ مهماَ في مجال البحوث في مصر.
© مكتبة الإسكندرية

يتعاون الباحثون المصريون بشكل متزايد مع نظرائهم، في البلدان المجاورة وفي الغرب، للمساعدة على إعادة إحياء قطاع العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STI) المريض في مصر، إلا أن الاتصالات المحدودة بين الأوساط الأكاديمية والصناعة، بالإضافة إلى عدم كفاية تمويل البحوث، تمثل عوائق قوية أمام البحث العلمي، وفقا لتقرير وُضع بتكليف من الكونسورتيوم.

صدر تقرير العلوم والابتكار في مصر في 31 ديسمبر 2012، وهو نتاج كونسورتيوم دولي شارك فيه كل من: الجمعية الملكية، والمجلس الثقافي البريطاني، ومجلة نيتشر، ومنظمة التعاون الإسلامي، بالإضافة إلى شركاء آخرين، ويهدف إلى تقييم آفاق العلم والتكنولوجيا في مصر.

رفع ميزانية البحوث

بلغ متوسط الإنفاق الحكومي على البحوث والتطوير بين عامي 2004 و 2010 ما نسبته 0.25٪ من الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وهو أقل قليلا من المعدل الوطني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وما يعادل تقريبا عُشر معدّل الإنفاق في الدول المتقدمة، كما أنه أقل بكثير من معدّل 1٪ الذي حددته منظمة المؤتمر الإسلامي للدول الأعضاء فيها، ولكن الحكومة المصرية الجديدة رفعت الإنفاق إلى 0.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

"في عام 2012 ارتفعت مخصصات الإنفاق العلمي في الميزانية بما يعادل 0.6٪ إضافية من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك وعود بأنها سترتفع هذا العام إلى 0.8٪، ولكن هذا الأمر لم يتم الجزم به بعد" كما يقول ماجد الشربيني، رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا (ASRT)، وهي مستودع الأفكار الذي ترعاه الحكومة ومقرها في القاهرة.

هناك مقاومة ثقافية للفكرة القائلة بإمكانية التعاون بين الأكاديميين والصناعة.

تلقّت مراكز البحوث المموّلة حكوميا والتي تعمل تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أكثر من نصف مليار جنيه مصري (75 مليون دولار) كتمويل في عام 2011، وهو ما يقترب من 50٪ نسبة زيادة في مخصصات عام 2010، وهذه الزيادة ستذهب إلى البحث العلمي، بالإضافة إلى تكاليف التشغيل وزيادة رواتب الباحثين، وقد تعهد الرئيس الجديد، محمد مرسي، بمواصلة زيادة تمويل البحوث، وفقا للتقرير.

يقول مايكل بوند، الباحث الرئيسي للتقرير: "زيادة المخصصات أنباء جيدة طبعا، لكني أتفق مع علاء إدريس، رئيس لجنة البحث العلمي لمؤسسة مصر الخير، الذي قال بأن زيادة ميزانية البحث دون تغيير نظام الابتكار يجعل هذا المال عديم القيمة".

يأمل الشربيني في أن يصل الإنفاق الحكومي على العلم إلى 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في غضون خمس سنوات، قائلاً: "يبقى هذا أقصى أهدافنا، ولكن للوصول إلى ذلك يجب أن ينهض القطاع الخاص وأن يساهم بما لا يقل عن 30٪، وهذا لم يحدث حتى الآن، فالصناعات لا تزال تكافح من أجل الحفاظ على وجودها، ناهيك عن الاستثمار في البحوث والتطوير".

يدعو التقرير إلى انتهاج سياسة وطنية للبحوث تخصص التمويل للمجالات الهامة استراتيجيا بالنسبة إلى مصر.. وفي حين أن هذا النهج قد يفضّل البحوث التطبيقية، يؤكّد الشربيني أن البحوث الأساسية لن تستبعد، ولكن يجب أن يخضع الإنفاق لرقابة مشددة، موضحا: "لا يمكننا إنفاق كل ما بحوزتنا من هذه الأموال جزافا، بل يجب أن نوجّه الإنفاق لنتمكن من التركيز على المشاكل، فالواقع الحالي أننا نهدف لتقسيم المخصصات المالية لتوجيه ما يقرب من 35٪ للبحوث الأساسية و65٪ للبحوث المستهدفة".

ويضيف بوند: "هناك حاجة كبيرة جدا للبحوث التطبيقية المفيدة في مصر والتي تستحق المجازفة، وخاصة في ظلّ محدودية الموارد، فهناك الكثير من القضايا في مجالات الزراعة والصحة والغذاء والطاقة، إلخ يمكن للابتكارات الموجّهة علميا أن تساعدفي تطويرها".

القطاع الخاص والأبحاث والتطوير

ساد نظام التعليم البائس الذي اعتمد على الحفظ عن ظهر قلب وفشل الحفظ في إلهام الطلاب.

يجب أن تقترن الزيادة في الإنفاق العلمي "بدفعة جدية من قبل جميع أصحاب المصلحة في إشراك القطاع الخاص".. هذا ما يقوله طارق خليل عميد جامعة النيل بالقاهرة.

كما يشير بوند إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه تحسين العلوم في مصر هو "النقص الرهيب في التفاعل بين الصناعة والقطاع الخاص من جهة، وبين الجامعات ومراكز البحوث من جهة أخرى".

وفقا للتقرير، فإن 5٪ فقط من الإنفاق العلمي في البلاد يأتي من مصادر غير حكومية، وهي تعدّ من بين أدنى معدلات المساهمة في العالم.. وليس لدى القطاع الخاص ثقة بقدرة الأكاديميين على المساعدة في ابتكار منتجات جديدة.

يقول الشربيني: "نحن بحاجة لبناء هذه الثقة.. نحن بحاجة إلى تغيير المفهوم الثقافي لديهم لكي يتمكنوا من تقدير مجال البحوث والتطوير".

من ناحية أخرى، هناك عدد قليل جدا من الباحثين الذين تلقوا تدريبا على الأعمال أو الذين لديهم مهارات في تنظيم المشاريع التي من شأنها أن تساعد على ترجمة أفكارهم في المختبر إلى فرص في السوق.. ويقول بوند: "واحدة من أكبر العقبات في مواجهة هذه المشكلة هي العقلية، فهناك مقاومة ثقافية للفكرة القائلة بإمكانية التعاون بين الأكاديميين والصناعة".

يتابع الشربيني: تتقدم أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا للشركات الخاصة في مختلف القطاعات الصناعية وتعرض عليهم حلولا مصممة خصيصا لهم لتحسين منتجاتهم، "نحن نبلغهم بأننا سنقوم بتمويل البحوث، وأنهم سيتمكنون من استعمال التكنولوجيات الناتجة عنها في حال نجاحها.. هذا الأسلوب سوف يظهر لهم قيمة البحث والتطوير وسيبدؤون في نهاية المطاف بالمساهمة فيه".

التعاون الدولي


جامعة القاهرة أكبر مؤسسة أكاديمية في مصر تضمّ حوالي 265,000 طالب.
جامعة القاهرة أكبر مؤسسة أكاديمية في مصر تضمّ حوالي 265,000 طالب.

تتزايد جهود التعاون الدولي في تغطية البحوث العلمية، ومصر ليست استثناء في هذا المجال، فقد ارتفع عدد البحوث العلمية المنشورة من قبل المصريين الذين تلقوا تعاونا دوليا من 687 بحثا عام 2001 إلى 2,906 بحوث عام 2009.

استناداَ إلى التقرير، فإن مصر على وشك أن تصبح رائدة إقليمية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط في مجال الطاقة المتجددة، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية والزراعة، والبحوث الدوائية.. ويقترح التقرير أن وضع آلية لتمويل البحوث بين الدول العربية أو الإسلامية، التي تشترك فيما بينها بنفس المشاكل مثل عدم تأمين مصادر المياه والطاقة والتصحّر، من الممكن أن تعزّز التعاون.

يقول الشربيني: إنه لا توجد خطط منظورة لهذا الأمر في المستقبل القريب على أي حال، "لقد لمسنا بعض الجهود في المنظمات غير الحكومية، ولكن لا وجود لأي شيء بين الحكومات المختلفة حتى الآن، وهناك بعض الجهود الثنائية، كما بين مصر وسوريا، ولكن لا شيء على صعيد متعدد الأطراف".

نظام التعليم المتهالك

في حين يسعى العلماء للحصول على دور أكبر في حل مشاكل البلاد، نجد العديد من الشباب المصريين الذين يتجنبون العلم، فقد انخفض عدد طلاب التخصصات العلمية في الجامعة من 69.2٪ إلى 32.8٪ خلال العقود الأربعة الماضية، "وهذا يعكس تحولا ثقافيا في المجتمع" كما يقول طارق خليل، ويتابع: "هناك نقص عام في تقدير العلم بين الطلاب الذين يتحولون لدراسة مواضيع 'أسهل' لأن المهن العلمية ليست مجزية".

لقد ساد نظام التعليم البائس الذي اعتمد على الحفظ عن ظهر قلب، وفشل الحفظ في إلهام الطلاب.. ويضيف بوند أن الدراسات الاستقصائية التي أجريت من أجل إعداد التقرير تشير إلى أن "التركيز على الحقائق بدلا من النقاش وانعدام التفكير النقدي جعل [العلم] مملا، وأنه لم يقدم للطلاب المهارات التي يحتاجونها ليصبحوا علماء".

لقد أثر العدد الهائل للشباب في مصر على النظام التعليمي إلى حد كبير، فهناك حوالي 2.5 مليون طالب وطالبة يتابعون تعليمهم العالي في 34 جامعة فقط، فعدد الجامعات المتوفرة للفرد في البلاد أقل منها في أي بلد آخر في الشرق الأوسط.

يقول بوند: "هناك دور هام هنا للأساتذة، أنه يجب أن تكون أهمية العلم والتكنولوجيا والابتكار متأصلة في أذهان جميع الطلاب"، ويقول خليل: "نحن بحاجة إلى جهود موحّدة لمكافأة العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا وإلى زيادة فرص العمل المجزية في هذه المجالات".

doi:10.1038/nmiddleeast.2013.12