أخبار

بناءٌ روماني صُنِّفَ خطأً كَمرْفَأ فينيقي

Published online 27 أغسطس 2012

أثارت خطط إقامة مشروع عقاري على الساحل بوسط بيروت فوق أرض يُعتَقَد أنها بقايا لموقع أثري غضب المعنيين بالحفاظ على المواقع التاريخية، لكن علماء آثار أشاروا إلى أنه ربما تم تحديد الموقع بطريق الخطأ ـ في المقام الأول.

أندرو بوسون


الموقع المثير للجدل من المقرر هَدْمُهُ لإفساح الطريق أمام إقامة مجمع فاخر، حسبما ورد عن وزارة الثقافة في لبنان.
الموقع المثير للجدل من المقرر هَدْمُهُ لإفساح الطريق أمام إقامة مجمع فاخر، حسبما ورد عن وزارة الثقافة في لبنان.
وزارة الثقافة اللبنانية

جرى تسوية خلاف بشأن مساحة أرض، تمثل حساسية من الناحية الأثرية في بيروت. واشتعل الخلاف بشأن ما إذا كان الموقع المقترح لإقامة مجمع فاخر، تبلغ تكلفته 500 مليون دولار، قد كان سابقًا مرفأ فينيقيًّا قديمًا، أم مجرد محجر صخري، لكن العاملين في وزارة الثقافة اللبنانية قالوا إن تاريخ الخنادق والحجارة يعود إلى القرن الأول الميلادي، ويعتقدون أنها كانت ـ على الأرجح ـ أساسًا لمبنى روماني كبير.

وقال أسد سيف، خبير الآثار الذي يقوم بتنسيق أبحاث وحفريات الحكومة، أن "(الرومان) بدأوا الأساسات الأولى، وأثناء (البناء) قاموا بتغيير الخطة". وأظهرت الحفريات أن الأساس الأول لم يكن مكتملاً، وتم تفكيك بعض الكتل الحجرية، وأعيد استخدامها في مبنى جديد. وأضاف قائلاً: "لقد توقفوا عن الحفر، وغيروا من خطتهم لبناء أساسات أضيق" من حيث المساحة.

وعلى مدى أكثر من عام، شن نشطاء لبنانيون حملة إعلامية ضد بناء المجمع، على أساس أن ذلك سيدمر تراثًا ثقافيًّا من بقايا مرفأ فينيقي. وكان التحالف الذي يعمل على بناء المشروع هو الطرف الفائز في هذا النزاع، لأنه لم يكن هناك دليل يشير إلى أنه تم استخدام الموقع لأغراض بحرية، كما أن الموقع لا يبدو أنه يعود إلى حقبة الفينيقيين التي امتدت من عام 1200 إلى 300 قبل الميلاد. وكان الفينيقيون قد سكنوا هذه المنطقة لعدة قرون قبل وصول الرومان إلى لبنان الحديثة في عام 64 قبل الميلاد.

نفى رالف بيدرسون، خبير الآثار البحرية في جامعة "فيليبس يونيفرسيتي ماربورج بألمانيا صحة هذه المزاعم، وقال: "من المستبعد أن الموقع كان بمثابة حوض للسفن، أو حظائر تخزين للسفن، أو دعامات، استنادًا إلى الخصائص الطبيعية للخندقين الكبيرين".

وأضاف بيدرسون، الذي استقدمته الشركة المطورة لتقييم الموقع: إن "سَحْب السفن إلى أعلى (هذه الخنادق) كان سيدمرها بلا شك، ولم يكن لأحد أن يقوم بمثل هذه المحاولة". ومع ذلك، فالتقرير الذي أعده لا يشير إلى طبيعة الاستخدامات المحتملة لهذه الخنادق في الماضي.

وقال سيف، من وزارة الثقافة، إن تاريخ الموقع يعود إلى الفترة الرومانية، استنادًا إلى آنية فخارية تعود إلى القرن الثاني، تم العثور عليها في المنطقة، وحجم وشكل الحجارة الموجودة في الخنادق. وتشبه أنواع الحجارة المستخدمة تلك التي تم العثور عليها في حمام روماني يعود إلى القرن الأول، شارك سيف في اكتشافه في منطقة الجميزة المجاورة. وبالرغم من التوثيق الجيد لهذا الموقع، إلا أنه تم تقييم بقايا قليلة من الموقع الساحلي المقرر هدمه لإقامة المجمع الفاخر قبل أن تم تسليمه إلى مالِكِيه الحاليين.


يؤكد الخبراء على أنه من غير الممكن أن تكون الخنادق قد استُخدمت لقطر السفن، حسبما ذكرت وزارة الثقافة اللبنانية.
يؤكد الخبراء على أنه من غير الممكن أن تكون الخنادق قد استُخدمت لقطر السفن، حسبما ذكرت وزارة الثقافة اللبنانية.
وزارة الثقافة اللبنانية

وقال سيف إن "(الخنادق والحجارة) استخدمت لإقامة مبنى ناقصًا أفقيًّا. ولذا.. فإنه لا توجد لدينا أي بقايا من هذا المبنى. ليس لدينا سوى أساس الخندق، وبعض حجارة الأساس، وأسفلها يوجد فقط طبقة سفلى".

وقالت هيلين سادِر، رئيسة قسم الآثار في الجامعة الأمريكية ببيروت، إنه إذا كان هذا الموقع محجرًا، فإنه على الأرجح كان صغيرًا، ولا يمثل أيَّة أهمية. وكان المحجر الرئيسي في بيروت عبارة عن صخرة شاطئية من الحجر الجيري فوق المدينة القديمة. وأكدت هيلين سادر على أنه كان يجب الاستعانة بخبراء لمعاينة الموقع من البداية.

أمّا الخبير الأثري لدى وزارة الثقافة في لبنان، الذي أكد ـ في بادئ الأمر ـ أن هذا الموقع مرفأ من العهد الفينيقي، هشام صايغ، فقد انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للعمل بها. ولم يَرُدّ صايغ على طلب "نيتشر ميدل إيست Nature Middle East " للتعليق. وبعد صدور التقرير الذي قدمه بيدرسون، والذي شكك في صحة النتائج التي توصل إليها صايغ، وافق وزير الثقافة اللبناني جابي ليون على إقامة المشروع على هذه الأرض.

إنَّ تعريف هذا الموقع على أنه مبنى روماني، وليس مرفأ فينيقيًّا، لن يُرضي ـ على الأرجح ـ أولئك المستائين من هدمه. ويقال إن المصالح التجارية هي المسؤولة عن التحديث السريع لمنطقة وسط بيروت، بعد انتهاء الحرب الأهلية في عام 1990، على حساب المواقع الأثرية التاريخية. لكن بالنسبة لعلماء الآثار، فإن هذا الموقع الأخير المتنازَع عليه قد تم تقييمه ـ على الأقل ـ قبل أن يصبح طبقة أخرى مفقودة من تاريخ بيروت.

وأضافت سادر، قائلةً: "حينما تكون لديك بقايا آثار مهمة للغاية وجوهرية، يجب عليك بالطبع الحفاظ عليها، ولكن الأهم من الحفاظ عليها هو التنقيب عنها بصورة صحيحة، وتوثيق كافة المعلومات للموقع، لأن هذا هو ما يعرِّفنا بتاريخ بيروت، وليس الأثر ذاته".

doi:10.1038/nmiddleeast.2012.123