أخبار

استزراع نماذج لأجنَّة الفئران في المختبر من خلايا جذعية

نشرت بتاريخ 15 نوفمبر 2022

نجح فريقان من العلماء في إنماء نماذج ذاتية التنظيم لأجنة الفئران من خلايا جذعية في طبق زجاجي. تحاكي النماذج أجنة الفئران في منتصف فترة الحمل.. ما يتيح فرصةً غير مسبوقة لدراسة التطور الجنيني المبكر.

نيل دي. أمين، وسيرجيو بي. باسكا

على مدار أكثر من مائة عام، حاول الباحثون إنماء أجنة الثدييات في المختبر1، بهدف دراسة القوى والعوامل الغامضة التي تُحَول البيضة المخصَّبة إلى جنين. تشير دراستان حديثتان، نُشرت إحداهما2 في دورية Nature، والثانية3 في دورية «سِل» Cell، إلى نجاح فريقين من الباحثين في الاقتراب من تحقيق هذا الهدف، بالاعتماد على التقدم الذي تشهده تقنيات استزراع الخلايا، وبيولوجيا الخلايا الجذعية4-6. أقدم الفريقان على إنماء بِنًى تشبه أجنة الفئران في طبق زجاجي، بدون الحاجة إلى حيوان منوي أو بويضة أو رحم. استمر نمو «أشباه الأجنة» embryoids إلى مرحلة تعادل مرحلة منتصف الحمل الطبيعي في الفأر؛ وهو ما يُعَدُّ تقدمًا هائلًا، من شأنه أن يعزز قدرتنا على دراسة التطور الجنيني المبكر للحيوانات الثديية.

في الخطوات الأولى للتطور الجنيني داخل جسم الأم، تمرُّ البيضة المخصبة بعدد من الانقسامات الخلوية. بعد ذلك، تقوم الخلايا الناجمة عن الانقسام بتنظيم نفسها، على هيئة كرة مجوفة من الخلايا، تعرف بالحوصلة الأرومية؛ وهي الحوصلة التي تنغرس بعد ذلك في جدار الرحم. تحتوي الحوصلة الأرومية على ثلاثة أنواع من الخلايا: خلايا الأديم الظاهر، التي ينشأ منها الجنين، وخلايا داعمة تعرف باسم «الإكتوديرم المغذي» trophoectoderm، وخلايا داخلية تعرف باسم «الإندوديرم الابتدائي» primitive endoderm (الشكل 1-أ). يمكن عزل خلايا الفأر الجذعية الجنينية للفأر (التي يُشار إليها بالاختصار: mESCs) من الحوصلات الأرومية، وزراعتها في مستنبتات الخلايا8،7، ومعاملتها على النحو الذي يجعلها تنتج سلالات خلوية ذات مواصفات خاصة. غير أن هذه الخلايا الجذعية لا تستطيع أن تنتج جنينًا كاملًا في الطبق الزجاجي. ولكن من الممكن، نظريًا، الحصول على نوع من التطور الجنيني من خلال تحضير الأنواع الثلاثة من خلايا الحوصلة الأرومية، وزرعها معا.

------------------------------------------------------------------------------------------------------------

أ) في مراحل النمو المبكرة، يُكَوِّن جنين الثدييات بنيانًا يعرف باسم الحوصلة الأرومية، وهي تحتوي على ثلاثة أنواع من الخلايا: خلايا «الإكتوديرم المغذي»، وخلايا «الإندوديرم البدائي»، التي توفر الدعم للجنين النامي، وخلايا الأديم الظاهر، التي تُكَوِّن الجنين. وقد تمكَّن فريقان من الباحثين3،2 من استزراع خلايا تشبه «الإكتوديرم المغذي» وخلايا «الإندوديرم البدائي» في طبق زجاجي بالمختبر، بالإضافة إلى الخلايا الجذعية الجنينية للفأر (mESCs)، التي تستطيع التحول إلى أي من أنواع الخلايا الجنينية. بعد ذلك، جمع الباحثون الخلايا، وخلطوها في حوض لزراعة الخلايا. تتمتع الخلايا بقدرة فطرية على تنظيم ذاتها؛ الأمر الذي جعلها قادرة على تكوين بنية، تسمى أسطوانة البيضة، في غضون ثلاثة أيام من زرعها في وسط نموذجي. بعد خمسة أيام أخرى من الاستزراع، وبعد استخدام غرف الاستزراع الدوارة، تتكون أشباه الأجنة، وتنمو إلى ما يماثل جنين الفأر في منتصف فترة الحمل. (لا يتطابق شبه الجنين المبين في الرسم تطابقًا تامًا مع أشباه الأجنة الموضحة في المرجع رقم 2، لكنه مأخوذ بتصرف عن الشكل 2 في المرجع رقم 3).

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

في الدراستين المشار إليهما، تمكن جيانلوكا أماداي وزملاؤه2، وشادي تارازي وزملاؤه3، من تحقيق ذلك، بالاعتماد على طريقة أتاحت لهم تجميع الخلايا فيما يشبه الجنين9. زرع الفريقان سلالة من الخلايا mESCs قادرة على أن تنتج، بشكل مؤقت، كميات كبيرة من بروتين يسمى «جاتا4» Gata4، وهو عامِلُ نسْخٍ خاص بخلايا «الإندوديرم البدائي». للحصول على «الإكتوديرم المغذي»، استخدم أماداي وفريقه سلالة من الخلايا التي تشبه خلايا تلك الطبقة؛ أما تارازي وفريقه فقد استخدموا خلايا mESCs قادرة على أن تنتج، بشكل مؤقت، عاملَ نسخٍ خاصًا بخلايا «الإكتوديرم المغذي»، يعرف باسم «سيدكس2» Cdx2. والملاحَظ أنه بعد ثلاثة أيام من خلط تلك الخلايا معًا، رتَّبتْ الخلايا نفسها على هيئة بنية جنينية، تسمى الأسطوانة البيضية (الشكل 1-ب). مع استمرار إنماء الخلايا في وسط مثالي للاستزراع، واستخدام تقنية الغرفة الدوارة (وهي تقنية تتبع للحصول على مستنبتات تعرف بالمستنبتات الديناميكية)، أمكن لأشباه الأجنة أن تتطور إلى مرحلة أبعد مما تم التوصل إليه من قبل. كانت البنى المتكونة مماثلة لأجنة الفئران التي يبلغ عمرها ثمانية أيام ونصف اليوم (وهي المرحلة التي سماها الباحثون «إي8.5» E8.5).

اعتمد كلا الفريقين على تعيين تسلسل الحمض النووي الريبي في الخلايا المنفردة، والخرائط المفصلة للخلايا، لمعايرة تطور أشباه الأجنة، ووجدا أن نمو هذه البنى يتوقف عند النقطة التي تناظر مستهل مرحلة تمايز الأعضاء. بالمزيد من فحص واسمات الأنسجة والخلايا، تبيَّن أن الأنسجة النامية لأشباه الأجنة تخضع لآليات تنظيمية تشبه تلك التي تُنظِّم نمو أقرانها من الأجنة في الجسم الحي. على سبيل المثال، وُجد أن أشباه أجنة الفئران تحتوي على بنى تشبه المعى البدائي، كما تحتوي على قلب نابض، وقطع مزدوجة على الجانبين، في سبيلها إلى أن تتحول إلى ضلوع وعضلات هيكلية. رصد الفريقان أيضًا بنًى تشبه أسلاف المخ الأمامي، والمخ الأوسط، والحبل الشوكي، رغم أن نمو النسيج العصبي لم يكن قد بدأ في التكوُّن بعد.

ثم كان أن أجرى كلا الفريقين بعد ذلك تجارب كشفت عن الفوائد المحتملة لهذا النموذج. على سبيل المثال، تمكن أماداي ورفاقه من إنتاج أشباه جنين الفأر من خلايا جذعية بعد إزالة أحد الجينات منها؛ هو الجين المسمى «باكس6» Pax6 (وهو جين يلعب دورًا في تطور المخ والعين10). كذلك تبيَّن أن أشباه الأجنة تعتريها عيوب مماثلة للعيوب التي تظهر في أجنة الفئران التي تنمو داخل الأم، وتفتقر إلى الجين Pax6؛ ما يدل على إمكانية الاعتماد على أشباه الأجنة في دراسة العلاقة بين الجين والصفة التي قد تنجم عن وجوده، أو تختفي لغيابه. من ناحية أخرى، قام تارازي وزملاؤه بإنماء أشباه الأجنة من سلالة خلايا جذعية تم فيها تزويد الخلايا الجرثومية الأولية (التي ستصبح حيوانات منوية أو بويضات) بصبغة وميضية؛ بهدف معرفة توقيت تَكوُّنها، وتحديد الموضع الذي تتكون فيه.

يعد الحصول على أشباه الأجنّة أحد أوجه التقدم الرئيسية التي استفادت من جهود سابقة حاولت تحسين النمو الجنيني خارج الجسم الحي، في المرحلة الزمنية التي تناظر ما بعد انغراس الجنين في جدار الرحم. يمكن استخدام أشباه الأجنة في المستقبل لدراسة الطريقة التي تسهم بها العوامل البيئية والتشوهات الوراثية في فشل الحمل. إضافةً إلى ذلك، من الممكن، عن طريق المقارنة بين أشباه الأجنة وبين الأجنة الطبيعية في الرحم، الكشف عن خصائص النمو التي تتوقف على تأثيرات الأم، عبر المشيمة، أو تأثيرات عوامل خارجية أخرى ذات صلة بالنمو.

غير أن هناك عددًا من أوجه القصور، التي يمكن أن تحُول دون الاستفادة السريعة من أشباه الأجنة في أغلب القضايا البحثية والعلاجية. فمعدل فشل استزراع هذه الأجنَّة مرتفع جدًّا؛ إذ يقدر الفريقان أن نسبة عناقيد الخلايا التي تنجح في التطور إلى أشباه أجنة تقل عن 1% من الخلايا التي تبدأ بها التجربة. كذلك وجد تارازي وزملاؤه أن بعض سلالات الخلايا الجذعية الجنينية للفأر تنتج أشباه أجنة يمكن ألا تنمو في المزرعة لأكثر من ستة أيام؛ ما يدل على أن نمو شبه الجنين يعتمد على حالة الخلايا عند بدء التجربة. إضافةً إلى ذلك، لاحظ الباحثون وجود تباين كبير بين أشباه الأجنة، من حيث الشكل والحجم. أم التحدي الأهم، فهو أن توقُّف النمو بعد مرحلة الثمانية أيام ونصف اليوم (E8.5)، الذي لاحظه الفريقان، من شأنه أن يقف حائلًا دون فحص نمو أغلب الأعضاء والأنسجة العصبية.

للتغلب على هذه الصعوبات، سيكون من الضروري تحسين نوعية عشائر الخلايا الثلاث التي يتم البدء بها، وتحسين ظروف الاستزراع أيضًا. على سبيل المثال، تحتوي المواد التي تستخدم كوسط غذائي لزراعة أشباه الأجنّة على مصل مأخوذ من دم الحبل السري للجرذان والبشر؛ وهما مصلان لا تُعرَف خصائصهما على وجه الدقة، ويمكن أن تختلف نوعيتهما من تجربة إلى أخرى؛ الأمر الذي قد يكون له بالغ الأثر على تطور شبه الجنين. ربما يمكن التوصل إلى مراحل نمو جنيني أطول في الطبق الزجاجي، إذا تغيَّرت الطريقة التي يجري بها خلط ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، والتحكم فيهما، وضغطهما داخل المواد المستخدمة كوسط غذائي، وكذلك إذا تغيَّرت الأساليب المتبَعة لتحسين الظروف الديناميكية للمزرعة؛ لأن المفترض أن هذه العوامل هي التي تتيح النمو الأمثل للجنين12،11. لعلَّ من الممكن أيضًا إطالة فترة نمو شبه الجنين، وتقليل التباين بين أشباه الأجنة، من خلال إضافة مكونات أخرى إلى مستنبت الخلايا، مثل بعض أنواع الخلايا المشيمية المشتقة من خلايا جذعية.

يجدر التذكير بأن ما خلُص إليه الفريقان من تجاربهما لم يكن أجنة فئران حقيقية، بل نماذج للنمو الجنيني المبكر للفأر، تم تحضيرها من الخلايا الجذعية. معروف أن «الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية» (ISSCR) لا تقر استخدام مصطلحات من قبيل «الأجنة المخلَّقة» للإشارة إلى نماذج النمو المحضرة من خلايا13. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى توحيد المسمَّيات، بحيث يمكن استخدامها، من جانب الباحثين والجمهور العام على السواء، في التوصيف الدقيق للطرق البحثية المبنية على أشباه الأجنة، كما هو الحال مع نماذج النمو الأخرى المبنية على الخلايا14.

وفي نهاية المطاف، سوف يسعى الباحثون إلى تطبيق هذه الاكتشافات على الخلايا الجذعية البشرية. ربما يعني كبر حجم أجنة البشر أن تلك الأجنة تعتمد على المشيمة والجهاز الوعائي بشكل أكبر مما يعتمد جنين الفأر. ذلك أن غياب المشيمة والجهاز الوعائي يمكن بطبيعة الحال أن يحد من نمو الخلايا في الطبق الزجاجي، الذي يعتمد على انتشار المغذيات وتبادل الغازات. وبالنظر إلى أن النمو الجنيني البشري يستغرق وقتا أطول بمرات كثيرة من الوقت الذي يستغرقه جنين الفأر عند وصوله إلى مرحلة الأيام الثمانية ونصف اليوم (E8.5)، فإن تحضير أشباه أجنة البشر التي تنمو إلى مراحل متأخرة سيكون أعلى تكلفة وأقل قابلية للتنفيذ. زِد على ذلك أن استخدام الخلايا البشرية يواجه تحديات أخلاقية فريدة. وقد أجرت «الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية» مراجعة لقواعدها، للمواءمة بين المخاوف الأخلاقية وبين الحاجة إلى إجراء المزيد من البحوث. على سبيل المثال، أسقطت الجمعية قاعدة «الأربعة عشر يوما»، التي بمقتضاها لم يكن يُسمح بإجراء التجارب على الجنين البشري في أنبوبة الاختبار إلا خلال الأسبوعين الأولين فقط من النمو الجنيني، ووضعت بدلًا منها قواعد إرشادية أكثر مرونة، يمكن اتباعها في ظل نوع من الرقابة10. سيكون من الضروري أيضًا مراجعة طرق الحصول على الموافقات الخاصة باستخدام الخلايا الجذعية البشرية في بحوث أشباه الأجنّة، ومراجعة عدد من القضايا القانونية الأخرى، قبل أن يتاح لتجارب أشباه الأجنة في البشر أن تمضي في طريقها.

يبقى أن الدراستان اللتان يدور حولهما هذا المقال تخطوان ببيولوجيا الخلايا الجذعية للفئران خطوةً إلى الأمام. بفضلهما، أصبحت المرحلة التالية، المتمثلة في توسيع حدود نمو أشباه أجنَّة الفئران في الطبق الزجاجي، وتطبيق ذلك على الخلايا البشرية، واضحة المعالم تمامًا. وما من شكٍّ أن التقدم الحاصل في هذه المجالات من شأنه أن يحسن فهمنا للنمو الجنيني البشري، ويعزز قدرتنا على تحضير أنواع من الخلايا ذات الصلة بالأمراض من الخلايا الجذعية، كما يعيننا على أن نكون أكثر استيعابًا للعوامل التي تؤثر في الحمل.

 

نيل دي. أمين، وسيرجيو بي. باسكا: باحثان بقسم التحليل النفسي والعلوم السلوكية بجامعة ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية، وفي برنامج ستانفورد للتكون العضوي للمخ، ومعهد وو تساي لعلوم الأعصاب، ومعهد بيو-إكس، ستانفورد.

البريد الإلكتروني: spasca@stanford.edu

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.9


1. Brachet, A. C.R. Hebd. Seances Acad. Sci. 155, 1191–1193 (1912).

2. Amadei, G. et al. Nature 610, 143–153 (2022).

3. Tarazi, S. et al. Cell 185, 3290–3306 (2022).

4. Harrison, S. E., Sozen, B., Christodoulou, N., Kyprianou, C. & Zernicka-Goetz, M. Science 356, eaal1810 (2017).

5. Amadei, G. et al. Dev. Cell 56, 366–382 (2021).

6. Aguilera-Castrejon, A. et al. Nature 593, 119–124 (2021).

7. Martin, G. R. Proc. Natl Acad. Sci. USA 78, 7634–7638 (1981).

8. Evans, M. J. & Kaufman, M. H. Nature 292, 154–156 (1981).

9. Birey, F. et al. Nature 545, 54–59 (2017).

10. Stoykova, A., Fritsch, R., Walther, C. & Gruss, P. Development 122, 3453–3465 (1996).

11. Ueda, Y. et al. Cell Rep. 31, 107637 (2020).

12. Nagamatsu, G., Shimamoto, S., Hamazaki, N., Nishimura, Y. & Hayashi, K. Sci. Adv. 5, eaav9960 (2019).

13. Clark, A. T. et al. Stem Cell Rep. 16, 1416–1424 (2021).

14. Paşca, P. et al. Nature 609, 907–910 (2022).