أخبار

ثقافة الإفراط في العمل السائدة في الحقل الأكاديمي كادت أن تقضي عليّ

نشرت بتاريخ 1 مارس 2023

الضغوط التي تواجه الباحثات المهاجرات في مقتبَل مسيرتهن البحثية أشدُّ وأقسى مما ينبغي.

ناتاليا إنجبريتسين كوتشيركوفا

تركتُ سلوفاكيا للدراسة بالمملكة المتحدة في سن الثامنة عشرة، حاملةً حقيبة صغيرة وأحلامًا كبيرة. كان يحدوني الأمل في اغتنام الفرص التي كان والداي يحلمان بها أثناء تربيتي في ظل نظام شيوعي. غير أنه لم يكن ليخطر على بالي أنني سأكون أستاذة جامعية قبل أن أبلغ سن الخامسة والثلاثين. 

وصلت إلى ما وصلتُ إليه بعد بذل الكثير من الجهد، ومواصلة الليل بالنهار. لم أدخر ذرة جهد في محاولة الحصول على مِنحة الدكتوراه، ووظائف ما بعد الدكتوراه. المنافسة الشرسة للحصول على المنح والوظائف في الجامعات المرموقة هي ما ساعدت على بلورة أفكاري البحثية في مجال التعليم المبكر وتنمية الطفل، وهو المجال الذي أتخصص فيه. ولكن لكي أتميز عن أقراني، لم يكن بدٌّ من مضاعفة ساعات عملي. كثيرًا ما كنتُ أجد نفسي مضطرةً إلى العمل 12 ساعة يوميًا طوال أيام الأسبوع على مدار شهور متصلة.

قضاء ساعات أطول في العمل كان يعني الحصول على المزيد من النتائج البحثية. كما أن رؤية الدراسات التي أجريتها على القراءة الرقمية تُتَرجَم في صورة تطبيقات للأطفال أو مواقع إلكترونية للأسرة شجعني على إجراء المزيد. حاز عملي البحثي اهتمامًا كبيرًا، ولكن ذلك كان – كما هي العادة – على حساب صحتي وحياتي الاجتماعية. كنت أظن أنني حالة استثنائية، إلى أن قرأت مقالة تحتوي على مقابلات مع خمس باحثات ناجحات في مجال علم النفس (P. Alexander et al. Educ. Psychol. Rev. 33, 763-795; 2021)، وحينها أدركت أن هذا هو الوضع الطبيعي للمتفوقات في السلك الأكاديمي. مُلئتُ إعجابًا بالباحثات، وشاركتهن شغفهن بعملهن، ولكني أدركت الآن أني كنت أتخذ من الشغف ستارًا أخفي وراءه إسهامي في نشر ثقافة ضارة متفشية في الحقل الأكاديمي. والأمر يشتدُّ صعوبةً بالنسبة إليَّ ومَن هم على شاكلتي؛ فأنا امرأة، ومهاجرة، والإنجليزية ليست لغتي الأم. وقد حان وقت المكاشفة.

قدمت أعظم التضحيات على مدى سنوات، عند توقيع عقود عملي المؤقت في أبحاث ما بعد الدكتوراه ووظائف التدريس؛ ذلك أنني إذا لم أنشر ورقة بحثية إضافية، فقد لا أحصل على المنحة التي أحتاجها لتأمين راتبي للعام التالي. قال لي المشرف على عملي البحثي ذات مرة إن الأبحاث هي بوابة الاشتغال بالمجال الأكاديمي، لذا أمضيت كل لحظة فراغ ممكنة في الكتابة. أخبرني أحد الأطباء أن الثلج سيخفف من آلام متلازمة النفق الرسغي المزمنة التي أعانيها، لذا كنت أكتب على جهاز الحاسوب وأنا أرتدي جبائر معصم مثلجة.

ولمَّا لم تكن اللغة الإنجليزية لغتي الأم، فقد كنت أمضي في كل ورقة بحثية وقتًا أطول مما يقضيه أبناء اللغة. كيف لا، والخوف من استخدام كلمة على غير وجهها، أو في غير موضعها، لتشوِّه المعنى الذي أردتُ توصيله، كان يزيد من توتري أثناء إلقاء العروض التقديمية في المؤتمرات؛ وهو الأمر الذي كان ينعكس في صورة نوبات صداع وإجهاد ما زالت تعتريني الآن.

الضغوط التي أتعرض لها لكي أُبلي بلاء حسنًا ألقَتْ بي داخل دوامة من المشاعر السلبية. عندما كنت أشعر بالتوتر، كنت أفقد الثقة بنفسي، وكنت أخشى أن أقول "لا"؛ وعوضًا عن ذلك، دأبتُ على قول "نعم" للمهمات الإضافية، فلا أزيدُ إلا توترًا. وكان ذلك على حساب الوقت الذي أقضيه مع أصدقائي، وكذا على حساب الوقت الذي أخصصه للنوم. قال لي صديقي الحميم آنئذٍ إنني متزوجة من جهاز الحاسوب الخاص بي، وقطع إجازتنا بعد وقت قصير من بدايتها حينما رآني أكتب ورقة بحثية على الشاطئ. كان مفتش التذاكر بقطار الضواحي آخر الليل يعرفني بالاسم، لأني كنت دائما ما أفوّت محطتي بسبب النوم. ولما كان ذلك كذلك، فلم تستغرب أسرتي عندما علمت بإصابتي بنوبة من مرض مناعي ذاتي.

أدرك الآن أن انكبابي على العمل لم يكن في كثيرٍ من الأوقات نابعًا من حبي للعمل فقط؛ بل كان مدفوعًا أيضًا بعوامل متعلقة بالمنظومة. تُظهر الدراسات أن معدلات التعرض للإجهاد بين الباحثين الشباب أعلى من غيرهم (A. Boone et al. Front. Psychol. 13, 839728; 2022) وكذلك الأكاديميات الإناث اللاتي ينتمين إلى الفئات المهمشة؛ ذلك لأنهن يتعرضن لقدر أعلى من الضغوط لكي يؤدين أداءً جيدًا. وإنني لأنتمي إلى هذه الفئة، إلا أني لا أستطيع التحدث عن الضغوط الأكبر من ذلك التي تتعرض لها النساء الشابات، ومنها الانتماء إلى الأقليات العرقية، أو محاولة التوفيق بين الأمومة وبدء المسيرة البحثية، أو ضغوط يتعرض لها العلماء القادمين من بلاد تعاني التمييز على أساس الجنس، أو الصراعات العنيفة.

بمزيج من العمل الشاق وحسن الحظ، استطعت الحصول على وظيفة دائمة في وقت مبكر من مسيرتي المهنية. إلا أن عبء العمل أخذ في الازدياد كلما صعدت السلم الوظيفي؛ فقد ازدادت طلبات الإشراف على الرسائل العلمية من الباحثين الشباب، وأُسنِدَتْ إلىَّ مهام عدَّة، تشمل مراجعة أوراق بحثية، وطلبات المنح، ومهام القسم، إلى جانب حصولي على عضوية ببعض اللجان، وإسهاماتي التطوعية بالوقت والمجهود في الجمعيات المهنية. أضِف إلى ذلك أن كلفة ارتكاب الأخطاء أصبحت أعلى؛ فإذا تأخرت الموافقة على منحة كبيرة، على سبيل المثال، لتقصيرٍ من جانبي، فقد يهدد ذلك حصول العديد من الأشخاص على رواتبهم.

غير أن التوتر الذي أعانيه في محاولات النجاة انخفض بعد أن كونت أسرة وانتقلت إلى النرويج؛ هذا البلد يُعرف عنه أنه يوفر حياة أكثر توازنًا من المملكة المتحدة. عدتُ إلى ممارسة هوايتي في فترة الطفولة، بكتابة الأشعار، وكان ذلك أفضل ما فعلته من أجل صحتي النفسية. كما أني تعلمت كيف أدير جدول أعمالي بطريقة أفضل، إذ قلصت وقت الكتابة، واستعنت بتطبيق الرد الآلي للبريد الالكتروني في غير ساعات العمل دون الشعور بذنب.

الإفراط في العمل في بداية مسيرتي المهنية لم يكن صحيًّا لي، وهو غير صحي لأحد. أشعر بالرغبة في إلغاء إسهامي في تلك الثقافة السامة التي تدعو إلى الإسراف في العمل، فهي ثقافة ضارة عمومًا، وبالفئات الأكثر تأثرًا على وجه الخصوص.

أشعر بأنها مسؤوليتي في الترويج إلى أن النجاح الأكاديمي ليس مرتبطًا بعدد ساعات عمل طويلة. في الكتاب الذي يحمل عنوان: »نساء ملهمات في الحقل الأكاديمي: دعم المسيرات المهنية ورفع نسبة تمثيل الأقليات« Inspirational Women in Academia: Supporting Careers and Improving Minority Representation  (2023) أجريت أنا وزميلتي لوليتا فاهاد، رئيسة قسم التطوير الوظيفي بجامعة كوليدج لندن، مقابلات مع أكاديميات وإداريات. تحدثنا بصراحة عن مواطن القصور، الأشياء التي وددنا لو كنا نعرفها عندما بدأنا العمل بالجامعة، وما قد يستطيع المسؤولون فعله لعلاج الممارسات التمييزية التي تتخلل المنظومة.

السعي لتحصيل العلم يزيد من الحماسة، فلا يوجد سقف للمعرفة، كما أن عملية الاستكشاف تتطلب جهدًا مضنيًا. ولكن أن يكون لدينا شغف لما نعمل لا ينبغي أن يُترجم بالضرورة إلى ساعات عمل طويلة، أطول مما ينبغي، ولا ينبغي أن يمثل عبئًا إضافيًا على النساء اللاتي ينتمين إلى الفئات المهمشة.

 

ناتاليا إنجبريتسين كوتشيركوفا

أستاذة في نمو الطفل بجامعة ستافنجر بالنرويج وبالجامعة المفتوحة بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: natalia.kucirkova@uis.no

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.4