أخبار

تلوث الهواء في الأماكن المغلقة: خمس طرق لمكافحة أضراره الخفية

نشرت بتاريخ 24 أبريل 2023

ربما يتصدر تلوث الهواء في الأماكن المفتوحة عناوين المقالات، بيد أن العلم بالكيفية التي تتشكل بها الملوثات داخل المباني المغلقة وطريقة تراكمها ومدى تأثيرها على صحة البشر لا يقل في أهميته عن العلم بآليات تلوث هواء الأماكن المفتوحة.

ألستير سي. لويس وديبورا جنكينز وكريستوفر جيه. إم. ويتي

تنبعث من مواقد الطهي كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة، التي يمكن أن يكون لها خصائص محفزة للإصابة بالالتهابات والسرطان.
تنبعث من مواقد الطهي كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة، التي يمكن أن يكون لها خصائص محفزة للإصابة بالالتهابات والسرطان.
Credit: Youngduk Ko/EyeEm

يُعد تلوث الهواء من أهم مسببات الأمراض؛ بداية من الربو1 ووصولا إلى أمراض القلب والسكتات الدماغية وسرطان الرئة2، بل وربما الخرف3. وفيما يخص تلوث الهواء في الأماكن المفتوحة، نجح تحسين المعايير والأنظمة، استرشادًا بالأبحاث، على مدار العقود الثلاثة الماضية نجاحًا ملحوظًا في خفض انبعاثات الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت في مناطق كثيرة من العالم4. بيد أن تلوث الهواء في الأماكن المغلقة لم يحظَ بالدرجة نفسها من الاهتمام، رغم أنه ربما يعد سببًا في حدوث عدد مماثل تقريبًا من الوفيات على مستوى العالم؛ إذ وصل عدد حالات الوفاة الناتجة عنه، وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية (WHO)، إلى 3.2 مليون حالة في عام 2020، مقارنةً بما يقرب من 3.5 مليون حالة مرتبطة بتلوث الهواء في الأماكن المفتوحة (انظر: go.nature.com/3jngf7x).

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن معظم الأفراد في الدول الصناعية يقضون مدة تتراوح بين 80 و90% من أوقاتهم في أماكن مغلقة؛ سواءً في المنازل الخاصة بهم أو في الأماكن العامة، مثل المدارس وأماكن العمل ومواقف النقل والمستشفيات والمتاجر الكبيرة. وعادةً ما لا تمتثل تلك الأماكن لمعايير جودة الهواء المحيط واجبة النفاذ بموجب القانون. على النقيض، حظيت التوصيات العالمية، التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وغيرهما من الجهات، بشأن الكيفية التي يتعين بها على دول العالم تقييم وإدارة جودة الهواء في الأماكن المفتوحة بالقبول على نطاق واسع. وجدير بالذكر أن هذه التوصيات تُنفَّذ من خلال الأنظمة والقوانين الوطنية التي تضع معايير ترسي الحد الأدنى لجودة الهواء بهدف حماية عموم الأفراد5.

ويمكن أيضا القول بأن الدراسات العلمية لتلوث الهواء في الأماكن المغلقة لم تتطور أو تكتمل إلى الحد الذي وصلت إليه الدراسات حول التلوث في الأماكن المفتوحة، وهو ما يجعل من الصعب على الحكومات توجيه السياسات والضوابط المختلفة فيما يتعلق بإدارة الأماكن المغلقة. بمعنى آخر، قد لا يَعد أصحاب المباني ومشغلوها جودة الهواء ضمن مسؤولياتهم، أو قد لا يكونون على دراية بالكيفية التي يمكنهم من خلالها تحسين تلك الجودة أو بمخاطر التقاعس عن تحسينها. علاوة على ذلك، تختلف أنواع الملوثات وسلوكياتها فيما بين الأماكن المغلقة والمفتوحة؛ فالتهوية مثلا لها دور بالغ الأهمية في الأماكن المغلقة. إذ من الممكن أن تتراكم الملوثات، مثل أول أكسيد الكربون الذي يكون مخففًا في الهواء الطلق، داخل غرفة مغلقة. وبالإضافة إلى تلويث الهواء، يمكن لمسببات الأمراض التنفسية، التي من ضمنها فيروسات كورونا والإنفلونزا، أن تتراكم وتنتشر فيما بين الأفراد بسهولة أكبر داخل الأماكن المغلقة، كما أظهرت جائحة «كوفيد-19» وحالات تفشي الإنفلونزا التي حدثت مؤخرًا.

وبمرور السنين يصبح من الممكن أن تتراكم الأضرار الصحية المترتبة على العيش في أماكن تعاني سوء جودة الهواء. على سبيل المثال، قد يؤدي التعرض المستمر والمتواصل للمواد أو الجسيمات المسببة للسرطان إلى تعزيز خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

ونسلط الضوء في هذا المقال على خمسة مجالات ينبغي فيها تطوير الدراسات العلمية بشأن تلوث الهواء في الأماكن المغلقة كي تصبح أساسا لتوجيه المعايير وإرشاد السياسات ولاستطلاع فرص تصميم المنشآت وإسداء النصح لعموم الأفراد، لا سيما الأكثر عرضة منهم للمخاطر الصحية.

فهم الأضرار

يحتوي الهواء داخل الأماكن المغلقة على مجموعة متنوعة من الملوثات بدرجة تزيد عما يوجد في الهواء الطلق. ويوجد بعض هذه الملوثات في الأماكن المغلقة والمفتوحة على حد سواء. على سبيل المثال، تنبعث من حرق الأخشاب والفحم ومن مواقد الطهي كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة (تُعرَف الجسيمات التي يبلغ حجم حبيباتها 2.5 ميكرومتر أو أقل باسم «جسيمات PM2.5»). كذلك تطلق الغلايات التي تعمل بالغاز الطبيعي أكاسيد النيتروجين (NOx). وفي الوقت ذاته، نجد ملوثات أخرى أكثر شيوعًا داخل الأماكن المغلقة. فعلى سبيل المثال، ينبعث أول أكسيد الكربون من عملية الاحتراق غير الكامل بهذه الأماكن، وينبعث كذلك الفورمالديهايد من مواد البناء والمواد اللاصقة، ويَنتُج الرادون من النشاط الإشعاعي الطبيعي في القواعد الصخرية أسفل المباني. ويمكن لكل هذه الغازات والعناصر أن تتراكم وتصل إلى تركيزات أعلى كثيرًا في الأماكن المغلقة منها في الأماكن المفتوحة.

Sources: English Housing Survey 2020–2021.

كذلك تُطلِق مواد البناء والأقمشة والأثاث موادَّ كيميائية يمكنها أن تهيج الرئتين والعينين. كما تنبعث مُركبات عضوية متطايرة من الدهانات والسجاد ومعالجات الأخشاب والمنتجات المنزلية الأخرى. من جهة أخرى، تدخل مواد كيميائية ثابتة مثل مثبطات اللهب المعالجة بالبروم في صناعة قطع الأثاث الحديث. ويمكن لتلك المواد الكيميائية أن تتفاعل مع غيرها لإنتاج ملوثات ثانوية، مثل الفورمالديهايد وجسيمات PM2.5، تكون لها خصائص مسببة للالتهابات والسرطان.

كذلك يزدهر نمو بعض أنواع العفن في المباني الرطبة سيئة التهوية. كما يمكن أن يكون لاستنشاق أبواغ الجراثيم الفطرية المحمولة جوًا والمنبعثة من العفن آثار صحية ضارة في حال بعض الأشخاص، كأن يسبب تفاقم حدة أزمات الربو7. على سبيل المثال، في نوفمبر من عام 2022، ذكر طبيب جنائي أن طفلًا يبلغ من العمر عامين قد لقي حتفه من جراء تعرضه لعفن أسود لفترات طويلة في شقة مستأجرة كان يقطن فيها مع عائلته.

كذلك يؤثِّر شغل الأماكن المغلقة في جودة الهواء داخل تلك الأماكن؛ ففي الغرف المغلقة التي تضم عددًا من الأشخاص، مثل المكاتب والقاعات الدراسية، يمكن أن ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون بدرجة تكفي للإصابة بحالة من ضعف الإدراك. بل إن أنفاس الإنسان من الممكن أن تطلق قطيرات أو جُسيمات هباء جوي صغيرة تحمل فيروسات وبكتيريا، ما من شأنه نشر حالات العدوى8. كذلك يمكن أن تنبعث مركبات عضوية متطايرة من هواء الزفير، بل ويمكن أن ينتجها ويمتصها الجلد، وهو ما يؤثر على كيفية تشكل الملوثات الثانوية.

هذه التشكيلة من الملوثات تجعل من الصعوبة بمكان وضع تعريف سليم لجودة الهواء في الأماكن المغلقة. وفي الوقت نفسه، غالبًا ما تستخدم أنظمة التهوية قياس مستويات ثاني أكسيد الكربون كمؤشر على جودة الهواء. ويصلح هذا المعيار لتقييم الانبعاثات المرتبطة بالأشخاص والتنفس، بيد أنه لا يفيد كثيرًا فيما يتعلق بانبعاث وانتشار المواد المتطايرة من المذيبات أو أبواغ العفن، على سبيل المثال.

وينبغي للباحثين وضع مجموعة كبيرة من المعايير لقياس جودة الهواء في الأماكن المغلقة، وعلى صناع السياسات اعتماد تلك المعايير. ويمكن بعد ذلك تطبيق هذه المعايير للمساعدة في إرشاد الأولويات البحثية والتحكم في الانبعاثات والتنبؤ بآثارها والحد من التعرض للملوثات وقياس نتائج السياسات. كذلك يمكن دعم أطر العمل الأساسية المرتكزة على أبحاث جودة الهواء؛ إذ نجحت في كبح تلوث الهواء في الأماكن المفتوحة.

نمذجة كيفية تكوُّن الملوثات وتراكمها

يعتمد تركيز الملوثات في الأماكن المغلقة على خمسة عوامل6. أولاً، حجم المصادر التي تطلق تلك الملوثات ووسائل التصريف التي تسهم في إزالتها (على سبيل المثال، من خلال الترشيح أو الترسيب أو التفاعلات الكيميائية)؛ وثانياً، مستوى تركيز الملوثات الخارجية التي قد تدخل من فتحات التهوية والنوافذ؛ وثالثًا، مقدار تدفق الهواء واضطرابه، وهو ما يعمل على تشتيت الملوثات؛ ورابعًا، حجم تبادل الهواء بين الأماكن المفتوحة والمغلقة؛ وخامسا وأخيرا، أبعاد المكان المعني.

ومن السهل أخذ قياسات بعض هذه المعايير، مثل حجم الغرفة وتركيز الملوثات في الهواء الخارجي ومعدل تبادل الهواء بين داخل المكان وخارجه. بيد أن ثمة معايير أخرى من الصعب أخذ قياساتها أو تقييمها، ومنها على سبيل المثال تركيز مصادر الملوثات ووسائل تصريفها. وبالنسبة للأماكن المفتوحة، غالبًا ما يقاس حجم انبعاثات الملوثات نسبةً إلى معدل النشاط. فعلى سبيل المثال، يقاس حجم أكاسيد النيتروجين المنبعثة بالجرام لكل كيلومتر تقطعه المركبات. وتُجمَع هذه القياسات في قوائم جرد للانبعاثات؛ ويُستخدم بعضها لأغراض تنظيمية، بينما يُستخدم البعض الآخر لأغراض بحثية. على النقيض من ذلك، لا تتوفر سوى قلة قليلة من هذه التقديرات فيما يخص الهواء في الأماكن المغلقة.

وينبغي للباحثين تحسين قوائم الجرد التي يحددونها لانبعاثات الأماكن المغلقة الناتجة عن الأجهزة المنزلية والمواد والأنشطة البشرية في الأماكن المغلقة. ولا شك أن ذلك سيشكل نوعا من التحدي؛ فعلى سبيل المثال، عند قياس انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة من مئات المنتجات المنزلية، كيف يمكن استخلاص تركيبها ورصد معدل تعرض الأشخاص لها بصفة يومية؟ ينبغي أيضًا تحديد مقدار ما ينبعث من جسيمات PM2.5 لكل كيلوجرام من الطعام المطهو، وتقدير مقدار جسيمات الهباء الجوي التي تخرج مع هواء الزفير في أثناء عملية التنفس لدى البشر حسب نوع أجسامهم ومستويات مجهودهم البدني. كذلك يجب استكشاف مدى اختلاف تلك العوامل باختلاف السلوكيات الفردية.

وثمة احتياج إلى نماذج لكيمياء الهواء في الأماكن المغلقة لأجل تقييم معدلات إزالة الملوثات أو تكونها. وقد جرت مواءمة بعض النماذج التي تناسب آليات كيمياء الغلاف الجوي في الأماكن المفتوحة، بحيث تأخذ في الاعتبار انخفاض مستويات الضوء والأشعة فوق البنفسجية في الأماكن المغلقة وبحيث يمكن تقدير درجة تضاؤل التلوث بانخفاض عدد الأسطح الموجودة في الأماكن المغلقة مثل الأثاثات9. بيد أن العمليات التي تتحلل من خلالها المواد الكيميائية في الأماكن المغلقة تختلف عن تلك التي تميز الأماكن المفتوحة. فتعتبر عملية الأكسدة (فقدان إلكترون واحد أو أكثر بواسطة جزيء) ذات أهمية بالغة، ويمكنها تحويل المواد الكيميائية الحميدة نسبيًا، مثل الميثان، في الأماكن المغلقة إلى مركبات ضارة، من أمثلتها الفورمالديهايد وجسيمات PM2.5 الثانوية10. وعند انخفاض مستويات الأشعة فوق البنفسجية في الأماكن المغلقة، تقوم غازات مثل النترات (NO3) والأوزون والكلورين بدور أكبر في عملية الأكسدة مما تضطلع به جذور الهيدروكسيل (OH)، وهي العامل المؤكسد المهيمن في الأماكن المفتوحة.

تنمو أنواع العفن وتزدهر في المباني الرطبة سيئة التهوية.
تنمو أنواع العفن وتزدهر في المباني الرطبة سيئة التهوية.
Credit: Katherine Frey/The Washington Post via Getty

كذلك فإن عمليات الرصد التي يمكن النمذجة بالرجوع إليها شحيحة للغاية فيما يخص الهواء في الأماكن المغلقة؛ فمن الصعوبة بمكان الوصول إلى الأماكن غير العامة  مثل المنازل أو أماكن العمل، لجمع البيانات. ولطالما احتلت التجارب التي تدرس الهواء في الأماكن المغلقة مرتبة دنيا على قوائم أولويات جهات التمويل. بيد أن هذه البحوث انتعشت في السنوات الخمس الماضية؛ فقد تمكن باحثون من جمع بعض مجموعات البيانات التي تشمل طيفًا واسعًا من المواد الكيميائية داخل الأماكن المغلقة، على الرغم من أن تلك البيانات كانت تخص فقط عددًا قليلًا من المنازل التي جرى التحقق من انبعاثاتها، ويقع معظمها في الولايات المتحدة. وتُعد مجموعات البيانات المذكورة ضرورية لاختبار صحة الافتراضات التي تتعلق بالعوامل التي تتحكم في الهواء داخل الأماكن المغلقة وما إذا كان من المحتمل أن تسفر عمليات التدخل عن نتائج فعالة11. ويجب أن تمتد هذه البيانات لتشمل أنواعا مختلفة من تصميمات البناء.

هناك حاجة أيضًا إلى تحديد سمية الملوثات المحمولة في الهواء مثل جسيمات PM2.5 في الأماكن المغلقة بشكل أفضل. وقد تختلف تلك السمية عن نظيرتها الموجودة في الهواء الطلق، لأن هذه الجسيمات تنشأ من عمليات مختلفة، مثل مواقد الطهي بدلاً من عوادم السيارات. وقد أُجريت معظم الدراسات الوبائية التي تربط بين تلوث الهواء وبين الآثار الصحية على مجموعات بيانات تستند إلى جودة الهواء في الأماكن المفتوحة. كذلك لا بد من تحسين فهمنا للآثار المترتبة على التعرض طويل الأمد لمستوى منخفض من الملوثات في الأماكن المغلقة.

استكشاف تأثيرات الاختلافات المحلية

يعد التنوع واسع النطاق في كيفية تشييد المباني وتهويتها وتشغيلها وشَغلها التحدي الأكبر أمام أبحاث جودة هواء الأماكن المغلقة فيما يتصل بالسياسات. من ناحية أخرى، في حين أن قياسات جودة هواء المناطق المفتوحة يمكن تصميمها لتعبر عن منطقة جغرافية واسعة النطاق، قد ترتبط مقاييس جودة الهواء في الأماكن المغلقة بغرفة واحدة. فغالبًا ما يكون من الصعب تحديد التركيز "الطبيعي" المفترض لمادة ملوثة في الأماكن المغلقة. وتؤثر أنماط البناء ومواده، والمناخ ومصادر الطاقة، وكذلك السلوكيات والممارسات الثقافية، على جودة الهواء داخل الأماكن المغلقة. فقد نجد منازل متماثلة تقع في شارع واحد، بيد أن تركيزات المركبات العضوية المتطايرة يمكن أن تختلف فيما بينها بأضعاف تصل إلى الألف تقريبًا فقط بسبب الاختلافات في سلوك قاطني تلك المنازل12. فيمكن أن تحتوي المنازل في الولايات المتحدة أو اليابان أو نيجيريا، على سبيل المثال، على ملوثات مختلفة نتيجة لاختلاف المنتجات المستخدمة وترتيبات المعيشة. بيد أن هذه الاختلافات يمكن أيضا أن توجهنا إلى حلول من خلال النظر في الممارسات التي تحدث في المنازل التي ينخفض فيها معدل التلوث.

ولا يزال الباحثون بحاجة إلى استحداث مجموعات بيانات طويلة الأجل وإجراء دراسات استقصائية تمثيلية حول تركيزات تلوث الهواء في الأماكن المغلقة، على الرغم من أنه بالإمكان ملاحظة بعض الاتجاهات لهذا التلوث (انظر: مؤشرات جودة الهواء في الأماكن المغلقة). فلو نظرنا إلى إنجلترا، على سبيل المثال، لوجدنا أن نسبة المنازل الرطبة قد انخفضت بأكثر من النصف على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية؛ ويعود ذلك بصفة جزئية إلى استخدام التدفئة المركزية على نطاق أوسع. كذلك لوحظ أن الفحم في المنازل، والسجائر، والمواد الكيميائية الناتجة من الدهانات، وأكاسيد النيتروجين الناتجة عن احتراق الغازات كلها انبعاثات آخذة في الانخفاض والتراجع في الأماكن المغلقة. على النقيض، زادت انبعاثات المُركبات العضوية المتطايرة من مستحضرات التجميل ومنتجات العناية الشخصية. كما زادت الملوثات المرتبطة بحرق الأخشاب، وهي ممارسة أصبحت واسعة الانتشار في الوقت الحاضر. كذلك انخفض متوسط معدلات استخدام التهوية في المنازل، مع تحسن كفاءة استهلاك الطاقة في الوحدات السكنية في المناطق المختلفة؛ وهو ما يُعد جيدًا على صعيد تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ولكن ليس بالضرورة فيما يخص جودة الهواء في الأماكن المغلقة. ويبقى السؤال المطروح الذي لا يجد له إجابة في الوقت الراهن كيف اجتمعت هذه الاتجاهات وتحالفت للتأثير على جودة الهواء في المنازل والأماكن العامة.

لا بد أيضًا من استكشاف كيف يتأثر الهواء في الأماكن المغلقة بالتغير المناخي وبحلول التكيف معه وبأنشطة إزالة كربون الهواء في هذه المناطق. فقد أدى التحول الذي طرأ على الأحوال المناخية من حيث ارتفاع معدلات الرطوبة وهبوب الرياح إلى تقليل الملوثات الخارجية مثل جسيمات PM2.5، بيد أنه ربما يسهم في زيادة نسبة الرطوبة والعفن في الأماكن المغلقة. ويمكن أن يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى زيادة معدلات غاز الأوزون في الأماكن المفتوحة، ما يجعل من الوارد تسلله إلى داخل الأماكن المغلقة. وقد يفتح السكان نوافذ منازلهم لزيادة التهوية، أو ربما يبقون عليها مغلقة ويكتفون بتشغيل أجهزة تكييف الهواء. وفي هذه الحالة ستعتمد تأثيرات المناخ على الهواء في الأماكن المغلقة على عمر المبنى وحالته الإنشائية.

التعرف على أفضل الطرق لتحسين جودة الهواء في الأماكن المغلقة

يحتاج صناع القرار إلى أدلة علمية لمساعدتهم على تحديد الأولويات فيما يخص الإجراءات التدخلية المطلوبة ولإرشاد وضع الاستراتيجيات لتحسين جودة الهواء في الأماكن المغلقة. وثمة حلول عديدة في هذا السياق، بيد أنه من الصعب تحديد حجم التأثير المتوقع من كل إجراء تدخلي (انظر: go.nature.com/3wv28vt). وبصفة عامة، فيما يخص الهواء في الأماكن المفتوحة، فإن إزالة أكبر مصادر الانبعاثات يُعد إجراء شديد الفاعلية. وقد يعني ذلك في الأماكن المغلقة إحلال المواقد الكهربائية محل مواقد الغاز، أو تغيير المنتجات المستخدمة في هذه الأماكن، كتغيير البخاخات مثل مزيلات الروائح ومعطرات الهواء التي تحتوي على البيوتان والبروبان بحيث يُستخدم النيتروجين أو الهواء بدلاً من ذلك. كذلك لوحظ وجود بعض مصادر الانبعاثات في الأماكن المغلقة بكميات كبيرة تثير الدهشة؛ ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، تنبعث من علب الهباء الجوي المضغوط في الوقت الراهن مركبات عضوية متطايرة تزيد عما تطلقه السيارات التي تعمل بالبنزين13.

أما فيما يخص أنواع العفن والهباء الحيوي وثاني أكسيد الكربون، فيمكن القول بأن الممارسات الجيدة لإدارة المباني التي تضمن توفير التدفئة الكافية وتدفق الهواء وتبادل الهواء داخل الأماكن المغلقة مع الهواء الطلق خارجها، هي إجراءات ذات فاعلية كبيرة14. ومن المتوقع أن تؤدي زيادة التهوية إلى حدوث عملية مفاضلة بين التهوية، واستخدام وسائل الطاقة للتدفئة، إذ تُفقد التدفئة مع التهوية بيد أن الحلول المصممة لكل حالة تظل مجدية وقابلة للتنفيذ.

وتتمتع مُرشِّحات الهواء (التي تُسمَّى أحيانًا بأجهزة تنقية الهواء) بالكفاءة في خفض مستويات الجسيمات الدقيقة في الأماكن المغلقة، بما في ذلك جسيمات PM2.5 والهباء الجوي والفيروسات، بيد أنها أقل فاعلية فيما يخص الملوثات الغازية. كذلك فإن عملية تنقية الهواء باهظة التكلفة وكثيفة الاستهلاك للطاقة؛ وفي بعض الأماكن، قد يكون فتح النوافذ أكثر فاعلية وكفاءة. لذا، فهناك حاجة ماسَّة إلى نماذج تنبؤية يمكنها إسداء المشورة لأصحاب المباني بما يناسب احتياجاتهم.

من ناحية أخرى، تتيح عملية إزالة الكربون من المباني فرصة جيدة لإعادة التفكير في كيفية إدارة جودة الهواء في الأماكن المغلقة وتحسينها. ويُعد تحقيق التوازن بين الحاجة إلى زيادة التهوية وتقليل هدر الطاقة من خلال التدفئة (في البلدان الأكثر برودة) أو التبريد (في البلدان الأكثر سخونة) تحديا هندسيًا ذا أهمية في هذا الإطار. كذلك ينبغي ضبط تحسين العزل لخفض استهلاك الطاقة بما يتناسب مع ضمان تحقيق تهوية كافية لتجنب تراكم الملوثات في الأماكن المغلقة.

وتُعد المبادلات الحرارية أحد الحلول الممكنة في ذلك الصدد؛ إذ تعمل على استعادة الطاقة الحرارية المفقودة واحتجازها في أحد السوائل قبل خروج الهواء من المنزل. لكن هذه التقنيات باهظة التكلفة ويصعب تثبيت أدواتها في المباني القديمة. لذا، ثمة حاجة إلى قياس حجم الآثار المحتملة لعديد من التقنيات المختلفة المصممة بالدرجة الأولى لإزالة الكربون.

دعم النصائح القائمة على أسس علمية

من المتوقع أن تكون أية خارطة طريق علمية تهدف إلى تنقية الهواء في الأماكن المغلقة بحاجة إلى التغلب على عديد من التحديات. أولها معرفة مَنْ الأشخاص الأكثر تعرضًا للملوثات، وأين يتواجدون؟ وما أهم مصادر التلوث في الأماكن المغلقة؟ وما الإجراءات المفيدة (تقنيًا وسلوكيًا وتنظيميًا) التي يُتوقع أن يكون لها الأثر الأكبر في تنقية هواء هذه الأماكن؟ كذلك يتعين على المجتمع العلمي توفير ما يلزم من أدلة لاتخاذ القرارات بهذه الإجراءات والتشجيع على بدء العمل. وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي ينبغي فيه تكريس جهود عالمية النطاق إذا كان المأمول لها أن تتصدى للمباني والسلوكيات والطقس، فإن النصائح المستندة إلى أسس علمية والتي تهدف إلى توفير هواء أنقى داخل الأماكن المغلقة ستختلف حتمًا باختلاف الدول والمناطق.

إضافة إلى ذلك، لا بد أن تصبح مراقبة الجوانب البيئية في الأماكن المغلقة بهدف رصد التلوث بمثابة ممارسة اعتيادية في الأماكن العامة. كذلك تحتاج قوائم جرد الانبعاثات في الأماكن المغلقة إلى استثمارات عاجلة؛ كما أن تحسين النصائح لتقليل التعرض للملوثات في الأماكن المغلقة دون خفض كفاءة الطاقة سيكون بحاجة إلى الاعتماد بكثافة على قياسات. ومن الضرورة بمكان تقدير قياسات سلسلة زمنية طويلة تعبر عن مجموعة ممثلة من المباني العامة والمنازل لتوجيه معايير البناء المستقبلية.

وجدير بالذكر أن الإجراءات التدخلية التي تتضمن على سبيل المثال إدارة التهوية وطرح الابتكارات التي تتصدى لترشيح الهواء وضبط مستويات الأشعة فوق البنفسجية تحتاج إلى توصيف كامل؛ فكل حل من الحلول سيتصدى لمجموعة فرعية واحدة فقط من التأثيرات، وستكون هناك حاجة إلى عديد من الإجراءات. وعلى غرار معظم الإجراءات التدخلية في مجال الصحة العامة، من المرجح أن تكون معظم التحسينات الإضافية التي تسهم في حدوث تغيير شامل، أجدى من الانتظار لحين حدوث قلة قليلة من التحسينات الجذرية.

ومن الضروري أيضًا أن تُنفَّذ عمليات إزالة الكربون وتحسين المباني وتعزيز جودة الهواء في الأماكن المغلقة، بشكل عادل ومنصف قدر الإمكان عبر شتى أنحاء المجتمع. فمن المتوقع أن تؤدي الاستراتيجيات المعتمدة على الاستثمارات التي تنهض بها الأسر المعيشية والتي تتضمن، على سبيل المثال، تركيب مضخات حرارية ومرشحات هواء وأنظمة تهوية إلى الانحراف بالفوائد المأمولة وتوجيه دفتها فقط نحو من يمتلكون الإمكانات المادية.

وعادةً ما يكون الأشخاص الأكثر تضررًا من سوء جودة الهواء في الأماكن المغلقة، يعانون من سوء الحالة الصحية من الأساس، ويكونون من محدودي الدخل، كما نجد أنهم يعيشون في منازل تعتمد على القديم من وسائل التدفئة مما يستخدم الغاز أو الوقود الصلب، أو تعاني منازلهم من الرطوبة، أو تقع في مناطق ترتفع فيها معدلات تلوث الهواء في الأماكن المفتوحة. ولا شك أن تقديم الدعم لمثل هؤلاء الأشخاص ضروري. كذلك تواجه البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة تحديات إضافية، منها، استمرار استخدام الوقود الصلب مثل الخشب أو الفحم النباتي أو الفحم العادي كعنصر رئيسي في عمليتي طهي الطعام والتدفئة في الأماكن المغلقة.

يجب أيضًا أن تضمن الحكومات المحلية والوطنية هواءً بجودة مرتفعة في الأماكن المغلقة للأشخاص الذين يتواجدون في أماكن إقامة مشتركة أو اجتماعية أو مستأجرة، وكذلك فيما يخص الأماكن المغلقة في المباني العامة. على سبيل المثال، في فرنسا، تعد مراقبة مستويات مجموعة معينة من الملوثات إلزامية في المدارس. وإلى جانب تدخل الدولة، يجب على أصحاب الأعمال ضمان توفير أماكن عمل آمنة وصحية، بما في ذلك ما يحقق جودة هواء هذه الأماكن.

وعلى غرار الحال في الأماكن المفتوحة، يتطلب تحسين جودة الهواء في الأماكن المغلقة على مستوى العالم استثمارًا مستدامًا في البحوث العلمية والهندسية ومشروعات التعاون الدولي التي تسهم في تبادل أفضل الممارسات في مجالات القياس والنمذجة ومكافحة التلوث. لقد حان الوقت أن يطور الباحثون الأدلة العلمية التي من شأنها تمكين الحكومات والشركات والأفراد من الاضطلاع بمسؤولياتهم وأن يضعوا معايير عالمية قائمة على أسس علمية لجودة الهواء في الأماكن المغلقة؛ وذلك بهدف خفض الانبعاثات وتقليل التعرض للملوثات والأضرار.

ألستير سي. لويس أستاذ كيمياء الغلاف الجوي من المركز الوطني لعلوم الغلاف الجوي وجامعة يورك، ومختبرات وولفسون لكيمياء الغلاف الجوي بجامعة يورك، هيسلينجتون، يورك، المملكة المتحدة.

ديبورا جنكينز اختصاصية وأمينة سجلات في مجال الصحة العامة، من إدارة الصحة والرعاية الاجتماعية، المملكة المتحدة.

كريستوفر جيه. إم. ويتي كبير المسؤولين الطبيين في إنجلترا، وعنوان البريد الإلكتروني له: chris.whitty@dhsc.gov.uk

يعلن ألستير سي. لويس عن وجود تضارب في المصالح. لمزيد من التفاصيل، انظر: https://go.nature.com/3dzbttw.

 

doi:10.1038/nmiddleeast.2024.12


1. Sacks, J. et al. Integrated Science Assessment for Particulate Matter (EPA, 2019).

2. WHO. Noncommunicable Diseases and Air Pollution (WHO, 2019).

3. Peters, R., Mudway, I., Booth, A., Peters, J. & Anstey, K. J. Neuroepidemiology 55, 253–265 (2021).

4. Department of Health and Social Care. Chief Medical Officer’s Report 2022: Air Pollution (DHSC, 2022).

5. WHO. WHO Global Air Quality Guidelines: Particulate Matter (PM2.5 and PM10), Ozone, Nitrogen Dioxide, Sulfur Dioxide and Carbon Monoxide (WHO, 2021).

6. Air Quality Expert Group. Indoor Air Quality (DEFRA, 2022).

7. Rick, E. M., Woolnough, K., Pashley, C. H. & Wardlaw, A. J. J. Invest. Allergol. Clin. Immunol. 26, 344–354 (2016).

8. Wang, C. C. et al. Science 373, eabd9149 (2021).

9. Shaw, D. & Carslaw, N. J. Open Source Softw. 6, 3224 (2021).

10. Abbatt, J. P. D. & Wang, C. Environ. Sci. Process. Impacts 22, 25–48 (2020).

11. Farmer, D. K. et al. Environ. Sci. Process. Impacts 21, 1280–1300 (2019).

12. Wang, C. M. et al. Environ. Sci. Process. Impacts 19, 528–537 (2017).

13. Yeoman, A. M. & Lewis, A. C. Elementa 9, 00177 (2021).

14. Cheek, E., Guercio, V., Shrubsole, C. & Dimitroulopoulou, S. Sci. Total Environ. 766, 142585 (2021).